ابن عبد البر

955

الاستيعاب

يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد مثّل به ، فوضع بين يديه ، فذهبت أكشف عن وجهه ، فنهاني قوم ، فسمعوا صوت صائحة ، فقيل : ابنة عمرو [ 1 ] أو أخت عمرو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تبكى [ 2 ] ما زالت الملائكة تظلَّه بأجنحتها وروى حماد بن زيد ، عن أبي سلمة ، عن أبي نضرة ، عن جابر ، قال : قتل أبى يوم أحد ، وجدع أنفه ، وقطعت أذناه ، فقمت إليه ، فحيل بيني وبينه ، ثم أتى به قبره ، فدفن مع اثنين في قبره ، فجعلت ابنته تبكيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما زالت الملائكة تظلَّه حتى رفع . قال : فحفرت له قبرا بعد ستة أشهر فحولته إليه ، فما أنكرت منه شيئا ، إلَّا شعرات من لحيته كانت مستها الأرض . وروى طلحة بن خراش ، قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا جابر ، ما لي أراك منكسرا مهتمّا ، قلت : يا رسول الله ، استشهد أبى ، وترك عيالا وعليه دين . قال : أفلا أبشّرك بما لقي الله به أباك ؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : إنّ الله أحيا أباك ، وكلَّمه كفاحا [ 3 ] ، وما كلَّم أحدا قط إلَّا من وراء حجاب ، فقال : يا عبدي ، تمنّ أعطك . قال : يا رب ، تردّنى إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية ، فقال الرب تعالى ذكره : إنه سبق منى أنهم إليها لا يرجعون ، قال : يا رب ، فأبلغ من ورائي ، فأنزل الله تعالى [ 4 ] : * ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ

--> [ 1 ] في أسد الغابة : فجعلت فاطمة بنت عمرو . [ 2 ] في أسد الغابة : فقال رسول الله : تبكين أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظله . [ 3 ] كفاحا : مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول ( النهاية ) . [ 4 ] سورة آل عمران ، 169 .