ابن عبد البر
1189
الاستيعاب
ولما حضرته الوفاة قال : اللَّهمّ إنك أمرتني فلم آتمر ، وزجرتني فلم أنزجر ، ووضع يده في موضع الغل ، وقال : اللَّهمّ لا قوىّ فأنتصر ، ولا بريء فأعتذر ، ولا مستكبر بل مستغفر ، لا إله إلا أنت . فلم يزل يردّدها حتى مات . حدثنا خلف بن القاسم ، حدثنا الحسن بن رشيق ، حدثنا الطحاوي ، حدثنا المزني ، قال : سمعت الشافعيّ يقول : دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلَّم عليه ، وقال : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : أصلحت من دنياي قليلا ، وأفسدت من ديني كثيرا ، فلو كان الَّذي أصلحت هو الَّذي أفسدت ، والَّذي أفسدت هو الَّذي أصلحت لفزت ، ولو كان ينفعني أن أطلب ، طلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض . لا أرقى بيدين ، ولا أهبط برجلين ، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي . فقال له ابن عباس : هيهات يا أبا عبد الله ! صار ابن أخيك أخاك ، ولا نشاء أن أبكى [ 1 ] إلَّا بكيت ، كيف يؤمن [ 2 ] برحيل من هو مقيم ؟ فقال عمرو : على حينها من حين ابن بضع وثمانين سنة ، تقنطني من رحمة ربى ، اللَّهمّ إن ابن عباس يقنطني من رحمتك ، فخذ منى حتى ترضى . قال ابن عباس : هيهات يا أبا عبد الله ! أخذت جديدا ، وتعطى خلقا . فقال عمرو : ما لي ولك يا بن عباس ! ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها .
--> [ 1 ] في س : ولا تشاء أن تبكى . [ 2 ] في س : يؤمر ،