ابن عبد البر
1108
الاستيعاب
جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه . ويستوحش [ 1 ] من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن . وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه . ونحن والله - مع تقريبه إيانا وقربه منا - لا نكاد نكلمه هيبا له . يعظَّم أهل الدّين ، ويقرّب المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييئس الضعيف من عدله . وأشهد [ أنه [ 2 ] ] لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله [ 3 ] ، وغارت نجومه ، قابضا على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكى بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غرّي غيري ، ألي تعرّضت أم إلى تشوّفت ! هيهات هيهات ! قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير ، وخطرك قليل . آه من قلَّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق . فبكى . معاوية وقال : رحم الله أبا الحسن ، كان [ 4 ] والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال : حزن من ذبح ولدها [ 5 ] وهو في حجرها . وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك ، فلما بلغه قتله قال : ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب . فقال له أخوه عتبة : لا يسمع هذا منك أهل الشام . فقال له : دعني عنك . وروى أبو سعيد الخدريّ وغيره ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : تمرق مارقة في حين اختلاف من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق وقال
--> [ 1 ] في س ، والأمالي : يستوحش . [ 2 ] ليس في س . [ 3 ] في ى : سدلته . [ 4 ] في الأمالي : فلقد كان كذلك . [ 5 ] في س ، والأمالي : واحدها في حجرها .