أحمد بن الحسين النائب الأنصاري

26

نفحات النسرين والريحان فيمن كان بطرابلس من الأعيان

قال ابن خلدون وهو أعرف الناس بأمرهم « وتمرست بمدائنها بادية العرب وتابعتهم فتحيفوها غارة ونهبا إلى أن فسدت فيها مذاهب المعاش وانتقص العمران فخربت « 1 » » . ولكن هذا الخراب الذي أكثر ابن خلدون من الكلام عنه لم يكن شرّا كله فقد جلب معه تمام الاستعراب ، لأن هؤلاء العرب اختلطوا بالناس من البربر وصاهروهم وامتزجوا بهم ونشأ عن ذلك بعد الزمن الطويل والمعاناة البالغة الجنس المغربي العربي وفي ذلك يقول ابن خلدون : « وأما إفريقية كلها إلى طرابلس فبسائط فيح كانت ديارا لنفزاوة وبنى يفرن ونفوسة ومن لا يحصى من قبائل البربر وكانت قاعدتها القيروان وهي لهذا العهد مجالات للعرب من سليم وبنو يفرن وهوارة مغلوبون تحت أيديهم وقد تبدوا معهم ونسوا رطانة الأعاجم وتكلموا بلغات العرب وتحلوا بشعاراتهم في جميع أحوالهم « 2 » . وقد تحدثنا عن ذلك التخريب فيما سلف وأفاض في تفصيله المؤرخون ما بين قدامي ومحدثين ولكننا عندما نسير مع الزمن نجد غلواء السلب والنهب تهبط رويدا رويدا ثم تسكن ويعود العمران إلى النمو وجدير بالذكر أن البربر الذين استعربوا هم الذين نهضوا بالبلاد من جديد ؛ فهوارة ولواتة ونفوسة الجديدة بربر مستعربة ولسانهم عربى ، بل إن الكثير من قبائلهم ينتسب إلى العرب ويتخذ أصولا عربية لأن العرب البدو - ورغم عنفهم وعدوانهم على العمران - اختلطوا بالبربر ، وذاب الحيان أحدهما في الآخر والعرب كانوا قوم العرب الفاتحين الأول وأهل العربية لغة القرآن ومعدن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة فكان من الطبيعي أن ينتسب إليهم البربر ما داموا يتكلمون لغتهم ونلاحظ هذا في ما كتب الإدريسى في « نزهة المشتاق » وهو من أهل القرآن الثاني عشر الميلادي أن مدينتى لبدة وبرقة كان فيهما على أيامه عمران لا بأس به ، وأن أهلها من هوارة ولواتة وأن الصناعة انتعشت بهما فصارتا تصدران العسل والصوف والزيت بل ازدهرت فيها من جديد زراعة القطن المتميز بالجودة ، وخلاصة هذا الكلام هي أن ليبيا بعد أن مرت بمحنة الغزوة الهلالية واجتازت

--> ( 1 ) ابن خلدون 6 / 84 وما بعدها . ( 2 ) ابن خلدون 6 / 103 .