محمد الحفناوي
510
تعريف الخلف برجال السلف
النية وسلامة الطوية والانطباع على الخير ، واعتقاده في الناس حتى كان الناس [ 80 ] يتساوون عنده في حسن ظنه بهم ، وعدم معرفته الشر ، يسعى في حوائجهم ويضر نفسه في نفعهم ، ويتوجع في مكروههم ، ويصلح بينهم وينصحهم إلى محبة العلم ، وملازمة تعليمه وصرف أوقاته فيه ، ومحبة أهله والتواضع التام ، وبذل نفائس الكتب العزيزة الغريبة لهم ، ولا يفتش بعد ذلك عنها كائنا ما كان من جميع الفنون ، فضاع له بذلك جملة من كتبه نفعه اللّه تعالى بذلك ، وربما يأتي لبابه طالب يطلب كتابا فيعطيه له من غير معرفة ، فكان العجب العجاب في ذلك إيثارا لوجهه تعالى ، مع محبته للكتب وتحصيلها شراء ونسخا ، وقد جئته يوما أطلب منه شيئا من كتب النحو ففتش في خزانته فأعطاني كل ما ظفر به منها ، مع صبر عظيم على التعليم وإيصال الفائدة للبليد بلا ملل ولا ضجر ، حتى يمل حاضروه وهو لا يبالي ، حتى سمعت بعض أصحابنا يقول : أظن هذا الفقيه شرب ماء زمزم لئلا يمل من الإقراء تعجبا من ملازمة العبادة ، والتجافي عن رديء الأخلاق ، وإضمار الخير لكل البرية حتى الظلمة ، مقبلا على ما يعنيه متجنبا الخوض في الفضول ، ارتدى من العفة والمسكنة أزين رداء ، وأخذ بيده من النزاهة أقوى لواء ، مع سكينة ووقار وحسن أخلاق وحياء سهل الورود والإصدار ، فأحبته القلوب كافة ، وأثنوا عليه بلسان واحد ، فلا ترى إلا محبا مادحا ومثنيا بالخير صادقا ، مع تشبيه بجوامع العامة وأمور القضاء ، لم يصيبوا عنه بديلا ولا نالوا له مثيلا ، طلبه السلطان لتولية القضاء بمحله فأنف وامتنع ، وأعرض عنه واستشفع ، فخلصه اللّه تعالى لازم الإقراء سيما بعد موت سيدي أحمد بن سعيد ، فأدركته أنا يقرئ من صلاة الصبح أول وقته إلى الضحى الكبيرة دولا مختلفة ، ثم يقوم إلى بيته ويصلي الظهر بالناس ، ويدرس إلى العصر ثم يصليها ، ويخرج لموضع آخر يدرس فيه للاصفرار أو قربه .