محمد الحفناوي
433
تعريف الخلف برجال السلف
سحر ببيانه أعيانا ، وأسكر بسلافة إبداعه أذهانا ، وإن تكلم في سائر العلوم ، نفس عن المكظوم ، وأحيا قتيل الهموم ، وهذا الفاضل ممن بوّأه اللّه المكانة العليا ، وجمع له بين الدين والدنيا ، فهو ينشد إذ كلفا به معا : ما أحسن الدين [ 28 ] والدنيا إذا اجتمعا ، ولم يزل مدة إقامتي بمطافه ، يرشفني أعذب نطافه ، ويجيش إلي من المكارم بأبحر ، ويواليني من المحاسن ما يعمر عمر ، حتى شردت بي النوى ، عن ذلك المثوى . ومن أعظم شاهد على سلامته من الدعوى التي عمت بها البلوى - مع بلوغه في كل فن الدرجة القصوى - أني في بعض الأيام غلبني الضحك بحضرته ، فظن لحسن نيته وجميل طويته أن ذلك من عدم معرفته ، فكتبت إليه معتذرا من تلك الهفوة ، مقسما أن ذلك افتتان بإقرائه وصبوة ، لا غلطة وجفوة ، بهذه الأبيات : مهلا على القلب إنّ القلب قد لسبا * إذ قيل : حبر الهدى عليّ قد عتبا حبر الجزائر لا تنفكّ محتجبا * عن من يمدّ إلى تنكيدكم سببا بلى وحلمك يا ابن الأكرمين أبى * ما كان ما فات منّا عن قلى عجبا لكن طربنا بما أبديت من نكت * نفيسة أورثتني ضاحكا طربا وقد فهمنا فهمنا بالذي شربت * أفكارنا من عقار أشبهت ضربا ومن يكن بعقار العلم مصطبحا * أجدر به أن يرى من سكره طربا هبا زللنا أما للحلم أردية * سابغة ترتديها زلّة الغربا إن كان هذا الذي أبديته كذبا * فلا قضى وطري من علمكم إربا ولا ركبت جياد العلم مسرجة * ولا اقتديت بمن هام بها وصبا ولا ظفرت بما أرجوه من وطر * ولا برحت أعاني الكدّ والوصبا ولا حننت إلى فاس وجيرتها * ولا دعاني إلى تطوان عرف صبا