محمد الحفناوي
392
تعريف الخلف برجال السلف
له في تحقيق العلوم قدم راسخ أبو عبد اللّه محمد بن خليفة لا زال رضوان اللّه حليفه ، هو وإن شرست أخلاقه ، ولم يحل مذاقه ، وضاقت أكنافه ، ولم ترد بحار الكمال أوصافه ، فاضل علامة رحالة صحب في تحصيل العلم الصالح والطالح ، وركب في تطلبه العذب والمالح ، وما برح يكابد لأجله حرة تحتها قرة ، ويسيغ من أشربة الاغتراب المزة والمرّة ، حتى ظفر بما يذكر به ما اختلفت الدرة والجرة ، فتوشح ببيضه الرقاق أثناء مصاحبته الرفاق ، وخبز من دقيقة الجردق والرقاق أيام جولانه في الآفاق . دخل مصر وهو غلّان لسلسبيل البيان ، فكرع في غديره حتى تضلع من نميره ، وأحرم بعطافه حتى تروى من نطافه ، فآب إلى الجزائر بعد أن ألحم من أسراره وأشحم ، واقتبس من أنواره ما ينجلي به الليل الأسحم ، وجيده بعقوده محلى ، وقد فاز من قدحه بالرقيب والمعلى ، فتضيع بين جداولها بحرا ، وطلع في سماء معارفها بين دراريها بدرا ، وتصدى للتدريس والتصنيف ، وتردى بحلتي التقديس والتشريف ، وتميز بين أولئك الأعيان بحمل راية البراعة والتبيان ، وصال على الجميع بألوية محسنات البديع ، فاقتطفته المنية إثر بلوغ تلك الأمنية ، وتاقت نفسه إلى التنعيم في رياض الجنة باجتناء وقطف يوم الأربعاء في عقب ربيع الثاني من شهور أربعة وتسعين وألف ( 1094 ) . وحدثني في حياته بعض الإخوان الملازمين له في غالب الأزمان : أنه فجع بموت ولده ، وخيف من ذلك تصديع كبده ، فلم يجزع لمماته ولم يضجر لفواته ، واستعان على رزيته بالصبر ابتغاء الثواب وحصول الأجر ، وما كان إلا قدر ما أدرجه في كفنه وأضجعه في مدفنه حتى أقبل إلى حلقته وما حبسه عنها أوار حرقته ، فقيل له في ذلك تعجبا من فرط صبره على ذلك الهالك ،