محمد الحفناوي
376
تعريف الخلف برجال السلف
بعيدا عن الرياء ، عاملا على السياحة والعزلة ، عارفا بالمعارف القديمة مضطلعا بتفاريق النّحل ، قائما على العربية والأصلين ، طبقة الوقت في الشعر ، وفحل الأوان في المطول ، أقدر الناس على اجتلاب الغريب ، ثم ذكر من أحواله جملة إلى أن قال : وبلغ الوزير أبا عبد اللّه بن الحكيم أنه يروم السفر فشق ذلك عليه ، وكلفه تحريك الحديث بحضرته ، وجرى ذلك فقال الشيخ : أنا كالدم أتحرك في كل ربيع . انتهى . [ 249 ] وقال ابن خاتمة في « مزية المرية على غيرها من البلاد الأندلسية » : أنه نظم في الوزير ابن الحكيم القصائد التي حليت بها لبات الآفاق ، وتنفست عنها صدور الرفاق ، وكان من فحول الشعراء وأعلام البلغاء ، يرتكب مستصعبات القوافي ويطير في القريض مطار ذي القوادم الباسقة والخوافي ، حافظا لأشعار العرب وأخبارها ، وله مشاركة في العقليات واستشراف على الطلب ، وقعد لإقراء العربية بحضرة غرناطة ، ومال بأخرة إلى التصوف والتجوال والتحلي بحسن السمت ، وعدم الاسترسال بعد طي بساط ما فرط له في بلده من الأحوال ، وكان صنع اليدين . حدثني بعض من لقيت من الشيوخ أنه صنع قدحا من الشمع على أبدع ما يكون في شكله ولطافة جوهره وإتقان صنعته ، وكتب بدائر شفته : وما كنت إلّا زهرة في حديقة * تبسّم عني ضاحكات الكمائم تنقّلت من طور لطور فها أنا * أقبّل أفواه الملوك الأعاظم وأهداه خدمة للوزير أبي عبد اللّه بن الحكيم ، وأنشدنا شيخنا القاضي أبو البركات بن الحاج ، وحكى لنا قال : أنشدني أبو عبد اللّه بن خميس ، وحكى لي قال : لما وقفت على الجزء الذي ألفه ابن سبعين وسماه بالفقيرية كتبت على ظهره :