محمد الحفناوي
297
تعريف الخلف برجال السلف
ولا يروني ، ولكن قل للموحدين يهيئون ما ينفقون على رأس هذين ، وأشار إلى ولديه ، فانفصل الرسول عنه وتجهز الولدان بعد كبرهما في طوائف فيها بعض الفرسان ، ووصل إلى شاطى بجاية ، وكانت البلد شاغرة من الجيش ، فتلقاهم الناس على عادة تلقيهم ، ولما وصلت له الخيل مستعدة والناس ما عندهم من شأنهم خبر ، طلعوا على جبل الخليفة ، ودخلوا من باب اللوز إلى قصبة البلد ، ولم يكن فوق باب اللوز سور في ذلك الزمن ، وطلبوا الناس بالبيعة فبايعوهم ، وكان الشريف أبو الطاهر عمارة رحمه اللّه ممن امتدحهم ، وأنشد بين أيديهم ، وربما عرض في بعض مقاله جريا على عادة الشعراء أمثاله ، ثم إن الموحدين تجهزوا برا وبحرا من فورهم ليستأصلوا من البغاة شأفة أمرهم ، فانفصل على ابن غانية عن الحال ، وتبع الموحدون الناس بما ظهر منهم من مقال أو فعال ، وكان من جملة الأمر أنه لما خطب لهم قال الخطيب في خطبته : والحمد للّه الذي أعاد الأمر إلى نصابه ، وأزاله من أيدي غصابه ، فاشتدت وطأتهم على أهل العلم ، واعتقلوا أناسا منهم ، وكان في جملة من اعتقل الشريف أبو الطاهر عمارة ، ولما وصل الموحدون خرج إلى الجهة التي كان فيها قاضيا ، فوجّه إليه وجيء به مصفدا في الحديد ، فبقي معتقلا مع أصحابه مدة من الزمان ، وهو يروم أن يقول فلا يجد للقول سبيلا إلى أن سمع منشدا ينشد سحرا لعلي بن الجهم : عيون المها بين الرّصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري فتحرك بلباله ، وزال عن لسانه عقاله ، فكتب بالقصيدة التي منها هذه القطعة الأولى ، فتلقاها بالقبول وشفع فيه وفي أصحابه جده النبي الأميّ خير شفيع وأكرم رسول ، وهي هذه : [ 194 ] سلام كعرف المندل الرطب في الجمر * وإلا كما هبّ النّسيم على الزّهر فلله من مقلة بعبرة * تعبر فوق الخدّ عن كامن السّرّ