محمد الحفناوي

225

تعريف الخلف برجال السلف

ثم جعل يتردد لسيدي عزوز دفين طالعة فاس ، فحصلت له حينئذ الكرامة للدنيا والخوض فيها ، وكان في زمان غفلته قد ضيع صلوات كثيرة ، فتجرد لقضائها حتى قضى صلاة ثلاث عشرة سنة ، ثم خرج لبعض الكهوف بجبل زعفران خارج باب الجيسة ، وجعل يتعبد فيه ويقتصر على القوت من الأعشاب ، وما يسقط من التين قبل طيبه ، مما يلتقط من تلك الجهات ، ويشرب عليه الماء مع إدمان الصوم والذكر ، يذكر كل يوم سبعين ألفا من الهيللة ، ومثلها بالليل ، ورأى في ذلك من العجائب ما لا يحصى ، وكانت الجمادات تكلمه وتبشره بما حصل له من الفتح العظيم ، وتقول له : هنيئا لك لم يبلغ هذا المقام أحد إلا أمن من السلب إلا القليل ، ثم كشف الحجاب بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فصار لا يشاهد في العالم إلا وجهه الشريف حيث توجه ، وبقي كذلك مدة قال : فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ها أنت وربك ، وحينئذ طلعت عليه شموس المعارف ، وأدرك ما لا يكيف من الأسرار واللطائف ، ولقي الخضر عليه السلام وقال له : أنا الخضر بعثني اللّه إليك لأخبرك بأن ما تشاء يعطيك اللّه إياه ، وأذن له في الجلوس في القرويين فلازم الجلوس فيها ، وكان يجلس إليه أقوام لاستماع معارفه ، فكان يأتي من ذلك بما يسحر الألباب ، ويقضي منه العجب العجاب . وكان رضي اللّه عنه من الذاكرين اللّه كثيرا ، لا تراه قط ساكن الشفتين ، مستغرقا في مشاهدة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان يظهر ذلك عليه في بعض [ 149 ] الأحيان ، فتارة يهيم وتارة يمازح بأمور في طيّها فوائد ، وكان إذا اعتراه الحال احمرت عيناه ، وعلا صدره عن جسده حتى تراه يستند في مشيه إلى الجدران ، وينفخ نفخا شديدا ، ويعرق جبينه جدا ، وترى العرق ينحدر منه كالجوهر ، وكان إذا دخل في الصلاة خلف الإمام لا يكاد يطيق ما يتلقاه من