محمد الحفناوي
84
تعريف الخلف برجال السلف
وفي « الصفوة » : العالم الكبير والمحقق الشهير أبو مهدي عيسى بن محمد الثّعالبي نسبة إلى وطن الثعالبة ، من عمالة الجزائر ، الجعفري نسبة لجعفر بن أبي طالب رضي اللّه عنه . نشأ رحمه اللّه في وطنه المذكور ، وتاقت نفسه للرحلة في طلب العلم بعد أن حصّل ما عند أهل وطنه ، فدخل الجزائر ، فأخذ بها عن أشياخها ، وصادف أيام دخوله الشيخ العلّامة حافظ وقته أبي الحسن علي بن عبد الواحد الأنصاري المتقدم الذكر بها ، فاتصل به ولازمه ، وكان أبو الحسن لمّا دخل الجزائر تصدّى لنشر العلم ، فهرع الناس إليه وحصلت له وجاهة عظيمة عند أرباب الدولة ، ولم يزل أبو مهدي في صحبة أبي الحسن إلى أن زوجه ابنته فبقي معها مدة إلى أن وقع له ما أوجب تطليقها بإشارة والدها أبي الحسن ، ولم ينقطع بذلك أبو مهدي عن ملازمته ، ولما مات أبو الحسن نادته العناية إلى الحرمين ، فجاور بهما سنين ، ودرّس العلم وحصل له إقبال عند أهلها لجودة فهمه ، وحسن تقريره ، وهنالك تجددت له رغبة في علم الحديث ، وكان فيه قبل ذلك من الزاهدين ، فأخذ عن شيوخ الحرمين كالقشاهلي ، والزين ، الطبري والزمزمي ، والبابلي ، وغيرهم ثم آض إلى مصر فأخذ بها عن الأجهوري والخفاجي والميموني وغيرهم ، وكان الشيخ البابلي يقول له : ما وصل إلينا من المغرب أحفظ من الشيخ المقّري ولا أذكى منك ، وكان إذا دخل على الأجهوري يقول له : شنّف الأسماع علما منه أنه لا يأتي إلّا لسماع حديث أو رواية غريب ، وهكذا عادته ما دخل على أحد من المشايخ إلّا استفاد وأفاد ، قال أبو سالم : ولو قيل : إن شيوخه كانوا يستفيدون منه أكثر مما يفيدونه لم يبعد ، لأن غالب استفادته منهم إنما هي الرواية ، وهم يستفيدون منه الدّراية ، وأخذ بالصعيد عن الشيخ الجامع بين علمي الظاهر والباطن أبي الحسن علي المصري ، ثم عاد للحجاز ، وألقى بالحرمين عصى التّسيار ، وبثّ هنالك