محمد الحفناوي
59
تعريف الخلف برجال السلف
على ما كانوا عليه من الفساد بفاس حياة السلطان الشيخ ، فلمّا رأى ذلك خاف على نفسه من أهل فاس ، فخرج منها مزعجا وهو الذي قال عند خروجه من فاس : دخلت كمائها وخرجت كمائها مشيرا لذلك . كان رحمه اللّه آية الزمان في حفظ النقول والاطلاع على غرائب الفروع ، مستحضرا للفقه والنوازل متفننا ، له ولوع بالأدب فلا ترى بخطه إلا مسائل الأدب ، ولما دخل مصر في توجهه للحجاز وقعت بينه وبين أهل مصر منازعات ، أسفرت عن تسليم حفظه ، وذلك أنه لمّا دخل مصر قبل أن يعرف حضر يوما سوق الكتب فوجد تفسيرا غريبا ففتحه ، فإذا بسورة النور فتكلم ذلك المفسر على مسألة فقهية استطردها وحرر فيها القول ، فحفظ ذلك كله صاحب الترجمة ، فكان من غريب الاتفاق أنه بقرب ذلك اجتمع علماء البلد في دعوة ، وحضر معهم فلما استقر بهم المجلس إذا بسائل في يده بطاقة ، يسأل عن تلك المسألة التي حفظها المقّري من ذلك التفسير فدفعت للأول من أهل المجلس ، فنظر فكأنه لم يستحضر فيها شيئا فدفعها لمن يليه ، ثم دفعها هذا لهذا إلى أن بلغت صاحب الترجمة ، فلمّا نظرها استدعى بالدواة فكتب فيها الجواب كما حفظ ، فجعلوا ينظرون إليه متعجبين ، فلمّا فرغ تعاطوها ، فقالوا : من ذكر هذا ، فقال لهم فلان في تفسير سورة النور ، فأحضر التفسير فإذا هو كما قال ، فدخلهم من ذلك ما هو من شأن النفوس ، ولم يزل بمصر إلى أن حصلت له بها شهرة تامة ، وتزوج من السادة الوفائيين أعظم بيوتات مصر بعد البكريين ، وذلك نهاية الشرف عندهم ، ثم إنه طلق الزوجة لأمر اقتضى ذلك ، فغضب لذلك أهلها ، وامتعض لهم أهل مصر ، وصرموا حباله ، فكتب صاحب الترجمة لطلبة فاس يخبرهم بذلك ، وهو يقول : لما طلّقتها لم يبق في مصر أحد يسلم علي إلا رجل حداد ، أو كما قال . وكان لصاحب الترجمة معرفة بعلم الجدول واطّلاع على أسراره ، حتى إنه ربما رقم الجدول