محمد الحفناوي
24
تعريف الخلف برجال السلف
الترك وإن تركوكم . فسكت السلطان . ولما سرّح صاحب الترجمة من السجن بمراكش تصدر للتدريس فتنافس كبار طلبة مراكش في الأخذ عنه ، مع كون لسانه معقدا لا يفهم إلا بعد ممارسة . قال في « تكميل الديباج » : ولمّا خرجنا من المحنة ، طلبوا مني الإقراء ، فجلست بعد الإباية بجامع الشرفاء بمراكش من أقوى جوامعها ، أقرأ « مختصر خليل » قراءة بحث وتحقيق ، ونقل وتوجيه ، وكذا « تسهيل ابن مالك » ، و « ألفية العراقي » ، فختمت علي نحو عشر مرات ، و « تحفة الحكام » لابن عاصم ، و « السبكي » و « الحكم » و « الجامع الصغير » قراءة تفهم مرارا ، و « الصحيحين » مرارا ، و « مختصرهما » و « الشفا » ، و « الموطأ » و « الخصائص الكبرى » للسيوطي و « الشمائل » و « الكلاعي » ، وغير ذلك . وازدحم علي الخلق وأعيان طلبتها ، ولازموني وأفتيت فيها لفظا وكتابة ، بحيث لا تتوجه الفتوى غالبا إلا إليّ ، وعينت لها مرارا فابتهلت للّه أن يصرفها عني ، واشتهر اسمي في البلاد ، من سوس الأقصى إلى بجاية والجزائر وغيرهما ، ا ه . ولم يزل رحمه اللّه بعد تسريحه بمراكش إلى أن توفي المنصور ، فأذن له ولده زيدان في الرجوع إلى وطنه ، فرجع له ، وكان مدة إقامته بمراكش كثير الزيارة لقبور الصالحين ، خصوصا سيدي أبي العباس السبتي ، رأيت بخطه قال : زرته أزيد من خمس مائة مرة ، وكانت عنده بطاقة مختوم عليها : إذا جاء للقبر يضعها عليه فيقول : إني أسألك ما في هذه البراءة ، لأنه قد يحضر له بعض الملازمين ، وإذا كان يوم الجمعة ، لا تشاء أن تلقاه في أي ناحية من المدينة إلّا لقيته يطلب المزارات الكامنة ، واستخرج منها عدة من شدة اعتنائه . وكان يحكي عن والده كرامة وقعت له مع الشيخ البكري بمصر ، وإن والده كان بمصر يتردد إلى الإمام البكري ، فدخل عليه يوما واجما ، فقال له البكري : مالك ؟ فقال له : هذه مدة انقطع عني فيها خبر تنبكتو ، واستوحشت الأقارب