محمد الحفناوي

145

تعريف الخلف برجال السلف

من أعلام الفقهاء من لا يمكن اجتماع مثلهم في غير ذلك المشهد ، فقرب وقت الصلاة فتشوّف من حضر من الفقهاء والخطباء للتقديم ، فخرج الشيخ فنظر يمينا وشمالا وأنا خلف والدي فوقع بصره علي ، فقال لي : يا محمد تعال فقمت معه إلى موضع خلوة ، فباحثني في الفروض والشروط والسنن ، قال فتوضأت وأخلصت النية ، فأعجبه وضوئي ، ودخل معي المسجد وقادني للمنبر ، وقال لي : يا محمد ارق المنبر ، فقلت له : يا سيدي واللّه ما أدري ما أقول ، فقال لي : ارقه ، وناولني السيف الذي يتوكأ عليه الخطيب عندهم ، وأنا جالس مفكر فيما أقول إذا فرغ المؤذنون ، فلما فرغوا ناداني بصوته ، وقال لي : يا محمد قم وقل باسم اللّه ، قال : فقمت وانطلق لساني بما لا أدري ما هو إلّا أني انظر إلى الناس ينظرون إليّ ويخشعون من وعظي ، فأكملت الخطبة ، فلما نزلت قال لي : أحسنت يا محمد وقراك عندنا أن نوليك الخطابة ، وأن لا تخطب بخطبة غيرك ما وليت وحييت ، ثم سافرنا فحججنا وأراد والدي الجوار وأمرني بالرجوع لتلمسان لتؤنس عمي ، وأمرني بالوقوف على سيدي المرشدي هناك ، فوقفت عليه وسألني عن والدي ، فقلت له : يقبّل أيديكم ويسلم عليكم ، فقال لي تقدم يا محمد واستند لهذه النخلة فإن شعيبا يعني أبا مدين عبد اللّه عندها ثلاث سنين ، ثم دخل خلوته زمانا ، ثم خرج فأمرني بالجلوس بين يديه ، ثم قال لي : يا محمد أبوك من أحبابنا وإخواننا إلا أنك يا محمد . فكانت إشارة منه لما امتحنت به من مخالطة أهل الدنيا والتخليط ، ثم قال : يا محمد أنت مشوش من جهة أبيك تتوهم أنه مريض ، ومن ( جهة ) بلدك ، أما أبوك فبخير وعافية ، وهو الآن عن يمين منبر الرسول عليه السلام ، وعن يمينه خليل المكي وعن يساره أحمد قاضي مكة ، وأما بلدك فباسم اللّه وخط دائرة في الأرض ، ثم قام فقبض إحدى يديه على الأخرى وجعلهما خلف ظهره ، وجعل يطوف بتلك الدائرة ، ويقول : تلمسان تلمسان حتى