محمد الحفناوي
130
تعريف الخلف برجال السلف
مناظرته ساعده ، والسيف يكلّ عند بحثه حده حتى يترك ما عنده ، ويساعده والبرهان لا يهتدي معه لحجة ، والمقترح لا يقترح عنده بحجة ، وأما النحو فلو رآه الزمخشري لتلجلج في قراءة المفصل ، واستقل ما عنده من القدر المحصّل ، أو الرّمّاني لاشتاق لمفاكهته وارتاح واستجدى من ثمار فوائده وامتاح ، أو الزّجّاج لعلم أنّ زجاجه لا يقوّم بجواهره ، وأنه لا يجري معه في الفن إلا في ظواهره ، بل لو رآه الخليل لاثنى عليه بكل جميل ، وقال لفرسان النحو : مالكم إلى لحوقه من سبيل ، وأما البيان فالمصباح لا يظهر له ضوء مع هذا الصبح ، وصاحب « المفتاح » لا يهتدي عنده للفتح ، وأما فهمه فعنه تنحط الشهب الثواقب ، وبمطالعة تحقيقاته يتحير الناظر ، فيقول كم للّه تعالى من مواهب لا تسعها المكاسب ، إلى غيرها من علوم عديدة وفضائل مأثورة عتيدة ، وأما زهده وصلاحه فقد سارت به الركبان ، واتفق على تفضيله وخيرته الثقلان ، هو فاروق وقته في القيام بالحق ، ومدافعة أهل البدع بالصدق ، هو البحر بل دون علمه البحر ، هو البدر بل دون فلقه البدر ، هو الدّرّ بل دون منطقه الدّرّ ، وبالجملة فالوصف يتقاصر عن مزاياه ، ويعجز عن وصفه ويتجافاه ، فهو شيخ العلماء في أوانه ، وقطب الأئمة والزهاد في زمانه ، شهد بنشر علومه العاكف والبادي وارتوى من بحر تحقيقاته الظمآن والصادي : حلف الزمان ليأتينّ بمثله * حنثت يمينك يا زمان فكفّر وربك الفتاح العليم ، غير أنه كما قيل : يا له من عالم وإمام جمع العلوم بأسرها ولكن بخسته الدار ، فاللّه تعالى يرحمه ويرضى عنه وينفعنا به آمين . وما قلناه من أوصافه فممّا علم من حاله فلا يحتاج لنقله عن معين ، ومتى احتاجت شمس الضحى لدليل ، على أنا نذكر بعض ما قيل فيه شاهدا لما قلنا . قال تلميذه أبو الفرج بن أبي يحيى الشريف التلمساني شيخنا الإمام العالم العلم ، جامع أشتات العلوم الشرعية والعقلية ، حفظا وفهما وتحقيقا ،