محمد الحفناوي
117
تعريف الخلف برجال السلف
ونزل عن سرير ملكه ، وجلس معهم على الحصير ، فأتى بما أدهش الحاضرين ، حتى قال السلطان عند فراغه : إني لأرى العلم من منابت شعره ، وجاء إليه القاضي الفشتالي بعد خروجهم ، فطلب منه تقييد ما صدر منه ذلك اليوم ، فقال : إنه من كتاب كذا وكذا ، وذكر كتبا معروفة عندهم ، فعلم القاضي أن الحسن للشنب وأن الأمر غير مكتسب . قال الخطيب ابن مرزوق : لما سافر أبو عبد اللّه لتونس كرهت مفارقته ، ولكن حمدت اللّه على رؤية أهل إفريقية مثله من المغرب ، وكان الفقيه الكبير الصالح موسى العبدوسي كبير فقهاء فاس يبحث عما يصدر من أبي عبد اللّه من تقييد أو فتوى فيكتبه ، وهو أسنّ من أبي عبد اللّه ، وكان الفقيه المحدّث القاضي أبو علي منصور بن هدية القرشي يقول : كل فقيه قرأ في زماننا هذا أخذ ما قدر له من العلم إلا أبا عبد اللّه الشريف فإن اجتهاده يزيد ، واللّه أعلم حيث ينتهي أمره . وسمعت أبا يحيى المطغري يقول : حضرت مجلس كثير من كبار العلماء فما رأيت مثل أبي عبد اللّه وولديه ا ه . ووصل في التفنن في العلوم إلى الغاية ، جمع بين الحق والحقيقة ، لا يشقّ غباره ، بل حظّ العلماء السماع منه ، فسر القرآن خمسا وعشرين سنة بحضرة أكابر الملوك والعلماء والصلحاء وصدور الطلبة ، لا يتخلف منهم أحد ، عالما بقراءته ورواياته وفنون علومه من بيان وأحكام وناسخ ومنسوخ وغيرها ، مع إمامته في الحديث وفقهه وغريبه ومتونه ورجاله ، وأنواع فنونه إلى الإمامة في أصول الدين ، قائما بالحق ، صحيح النظر ، كثير الذبّ عن السنة ، وإزاحة الإشكال متدربا في تعليم غوامضها ، حسن البسط في التأليف ، ألف كتابا في « القضاء والقدر » ، وحقق فيه مقدار الحق بأحسن تعبير عن تلك العلوم الغامضة ، وإليه يفزع علماء المغرب في حل المشكلات .