محمد الحفناوي

114

تعريف الخلف برجال السلف

أربعة أشهر فلم يره نزع ثوبه ولا عمامته ، لشغله بالنظر والبحث ، فإذا غلبه النوم نام نوما خفيفا فإذا أفاق لم يرجع إليه أصلا ، ويقول أخذت النفس حقها ، فيتوضأ ، والوضوء من أخف الأشياء عليه ، ثم رجع للنظر . ابتدأ الإقراء وهو ابن أحد عشر عاما أخذ عن ابني الإمام ، وكانا من أجلّة العلماء ، لم يكن في زمانهما أعظم منهما ، ولا أعلى قدرا ولا أوقع عند الملوك نهيا وأمرا ، فتضلّع وأخذ عن غيرهما . فذكر من تقدم ، وشهد له شيوخه كلهم بوفور العقل وحضور الذهن ، فاتسع في العلم باعه ، وعظم قدره ، فأقرأ العلوم في زمن شيوخه ، وأقبل عليه الخلق مع سلامة العقل جاريا على نهج السلف ، عالما بأيام اللّه ، مائلا للنظر والحجة ، أصوليا متكلما جامعا للعلوم العقلية القديمة والحديثة . لقي بتونس ابن عبد السلام فلازمه وانتفع به ، وذكر ولده أبو محمد عبد اللّه أنه لما حضر مجلس ابن عبد السلام ، جلس حيث انتهى به المجلس ، فتكلم الشيخ في الذكر هل هو حقيقة في ذكر اللسان ؟ فقال له أبو عبد اللّه : يا سيدي الذكر ضد النسيان ، ومحل النسيان القلب لا اللسان ، وتقرر أن الضّدّين يجب اتحاد محلهما ، فعارضه ابن عبد السلام بأن الذكر ضد الصمت ، والصمت محله اللسان ، فيجب كون اللسان محل ضده الذي هو الذكر ، فيكون حقيقة فيه . قال أبو عبد اللّه : فسكتّ عن مراجعته تأدبا معه ، وقد علمت أن الصمت إنما ضده النطق لا الذكر ، فلما جاء في الغد جلس في موضعه ، فقام نقيب الدولة فأجلسه بجنب ابن عبد السلام بأمره بذلك ، فلما فرغ من القراءة قال : أنت أبو عبد اللّه الشريف ؟ قال : نعم ، فأكرمه ، فكان يجلس بجنبه ، وكان يقرأ على الشيخ في داره ، ولقي أكابر التونسيين بمجلسه فتعجبوا منه ، فكل يوم يزداد عندهم جلالة ، ثم رجع لبلده فدرّس العلوم وأحيا الشريعة ، فكان من أحسن الناس وجها وقدرا مهيبا ، ذا نفس