محمد الحفناوي

112

تعريف الخلف برجال السلف

قال ابن خلدون : أخذ العلم بتلمسان عن مشيختها ، واختص بابني الإمام ، وتفقه عليهما في الأصول والكلام ، ثم لزم شيخنا الأبلي ، وتضلع من معارفه ، واستبحر وتفجّرت ينابيع العلوم من مداركه ، ثم رحل لتونس سنة أربعين ، فلقي شيخنا ابن عبد السلام ، وأفاد منه ، واستعظم رتبته في العلم ، وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله ، ويعرف حقه ، حتى زعموا أن ابن عبد السلام يخلو به في بيته فيقرأ عليه ، أي : على الشريف فصل التصوف من إشارات ابن سينا ، لأن الشريف قد أحكم الكتاب على الأبلي ، وقرأ عليه ابن عبد السلام أيضا فصل التصوف من « شفاء » ابن سينا ، ومن تلاخيص أرسطو لابن رشد ، ومن الحساب والهندسة والهيئة والفرائض ، علاوة على ما كان الشريف يحمله من الفقه والعربية ، وسائر علوم الشريعة ، وله اليد الطولى في الخلافيات ، وقدم عالية ، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله ، وأوجب حقه ، فرجع لتلمسان وانتصب للتدريس وبث العلم ، فملأ المغرب معارف وتلاميذ ، إلى أن اضطرب المغرب بعد واقعة القيروان ، ثم ملك أبو عنان تلمسان بعد مهلك أبيه سنة ثلاث وخمسين ، فاختار الشريف لمجلسه العلمي مع من اختار من المشيخة ، ورحل به لفاس فتبرّم الشريف من الغربة واشتكى ، فغضب السلطان لذلك ، ثم بلغه أن عثمان بن عبد الرحمن سلطان تلمسان أوصاه على ولده وأودع مالا له عند بعض الأعيان من التلمسانيين ، وأن الشريف عالم بذلك ، فسخط على الشريف واعتقله ثم سرحه عام أول ست وخمسين ، وأقصاه ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة ، فردّه لمجلسه ، ثم هلك أبو عنان ، وملك أبو حمو بن عبد الرحمن تلمسان ، فاستدعى الشريف من فاس ، فسرّحه الوزير القائم بالأمر عمر بن عبد اللّه ، فرجع لتلمسان فتلقاه أبو حمو براحتيه ، وأصهر له في بنته فزوجها له وبنى له مدرسته ، فقام يدرس ، حتى هلك سنة إحدى وسبعين . وأخبرني أن مولده عام سبع مائة وعشرة ( 710 ) ا ه .