الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي

573

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية

تَبْتِيلًا [ المزمل : 8 ] ، كاملا عن نفسك وعن سائر لطائفك المتعلقة بالخلق والأمر ، وعن الكمالات الوجودية الراجعة إليها ، وحقيقة التقوى إنما هو هذا التبتل والانقطاع ، وكأنّ قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ . إيماء إلى ما ذكرنا ، أي : الذين آمنوا صورة ، وانقطعوا عما سوى الله ، وتخلوا إليه سبحانه ، وانخلعوا عن العوائق والتقيدات ، متوجهين إلى حضرة الإطلاق حق الانقطاع والانخلاع ، بحيث لا يبقى من ذواتكم وكمالاتكم الراجعة إليكم أثر ، ويسرى فناؤكم في لطائف الخلق والأمر كلها . وَلا تَمُوتُنَّ قبل الموت إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 102 ] أي : مشرفون بالإسلام الحقيقي دائما في جميع الأحوال ، لدلالة الاسمية على الدوام . وكأنّ في الآية الكريمة حث على دوام الموت والفناء ، ليكون الإسلام والبقاء المترتب عليه دائما ، بخلاف صاحب التجلي البرقي ، فإنه لم يمت موتا دائما ليصير هذا التجلي أيضا في حقه سرمدا . وينبغي أن يعلم أن التجلي البرقي ليس من التجلي الذاتي الصرف في شيء ، وإنما هو تجلّ ذاتي بملاحظة شأن إلهي هو سريع الاستتار والزوال ، والذات إذا تجلت لا استتار لها . وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً أي : بالحقيقة الجامعة الكلية المعبر عنها بالحقيقة المحمدية ، ليصير الاعتصام بهذا الحبل ذريعة للوصول إلى حضرة الإطلاق . وَلا تَفَرَّقُوا بتفرق الأسماء والأعيان الجزئية ، فإن الأسماء الجزئية والطرق المتفرقة ما لم تنته إلى حضرة الإجمال لم تصل إلى حضرة الإطلاق . وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بعد أن جمعكم في الحقيقة الجامعة . إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً بتفرق الأسماء إذ مقتضى بعضها يعارض البعض الآخر .