الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
488
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية
دخلت من باب الخدمة ، فمن أحبه أمره بالخدمة ، وأنشد بالفارسية بيتا معربه : إلى شرفات العرش يوصلك الخدم * فاسلم منها ما رقت سلما قدم وكان قدس اللّه سره شديد المراعاة للآداب الظاهرة والباطنة في كافة أحواله وأحيانه ، خلوة وجلوة . فقد قال أبو سعيد الاوبهي رحمه اللّه تعالى : إني صحبته خمسا وثلاثين سنة لم أفارقه قط ، فما رأيته تلك المدة إذا أكل عنبا أو تفاحا أخرج من فمه نواة أو قشرة ، ولا رأيته تثاءب أو استنثر أو أخرج من فمه بصاقا ، أو صدر عنه مما يكره شيء . وكذلك قال صاحب « الرشحات » قدس اللّه سره : وإنه لم يره جلس متربعا قط ، لا في خلوة ولا جلوة . ومن آثاره في إيثاره نقل أنه توجه بأصحابه أيام الربيع إلى بلاد كش ، فلما أقبل الليل نزل قرب جبل ، ولم يكن معهم إلا خيمة واحدة ، فضربت له ، فما لبثوا أن جاءت السماء بماء منهمر ، وذلك بعد العشاء ، فخرج قدس اللّه سره من الخيمة ، وقال لأصحابه : ادخلوها فإن لي شكا في طهارتها ، وشدّد عليهم فدخلوها ، وبقي - قدس اللّه سره - ظاهر الخيمة ، والمطر تصب فوق رأسه حتى طلع الفجر ، فبعد صلاة الفجر أسرّ إلى بعض أصحابه : أني استحيت أن أستظل في الخيمة ، وأصحابي تحت المطر . وخرج يوما في شدة القيظ إلى مزرعة له ، وما كان عند الزراع إلا خيمة واحدة فنصبت له ، فقبل أن يشتد الحر خرج ، فركب فرسه ، وقال لأصحابه : اجلسوا ! إني أريد أن انظر إلى الأرض وزرعها ، فجعل يدور هكذا وهكذا ، وإذا اشتد عليه الحر جدا يأوي إلى بعض المغارات ، وربما كان رأسه في الظل وجسده في الشمس ، ولم يزل كذلك حتى برد الهواء ، فرجع إلى أصحابه وقد علموا أنه لم يقصد بذلك إلا راحتهم وإيثارهم .