الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
403
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية
من فرط الازدحام ، فكان - قدس اللّه سره - يوما جالسا مع أصحابه على سطح أعدّه للصلاة ، إذ دخل عليه رجلان من طلبة العلم مخلصان لجنابه ، فأمرهم أن ينظفوا السطوح التي حول سطحه من الأقذار ، وقال : إني طالما نظفت مبارز مدارس بخارى . وقال - قدس اللّه سره - : لا ينفع سالك هذا الطريق إلا البذل والمسكنة وعلوّ الهمة ، فإني أنا ما أدخلوني إلا من هذا الباب ، وما نلت ما نلت إلا من ذلك . وقال - قدس اللّه سره ، ورفع في الملأ الأعلى قدره - : نفي الوجود « 1 » وعدم رؤية النفس في هذا الطريق هو رأس مال دولة القبول والوصول ، وإني في هذا المقام نسبت نفسي إلى كل طبقة من طبقات الموجودات ، فوجدت كل فرد منها في الحقيقة أحسن مني . حتى أني وصلت إلى طبقة الفضلات « 2 » فرأيت لها منفعة ولم أر لي منفعة . ثم وصلت إلى فضلة الكلب فقلت : ما لها نفع ، فحكمت على نفسي بأنها مثلها ، ثم تبين لي بعد ، أنّ لتلك الفضلة نفعا ، فحينئذ تحققت أنه ليس لي نفع أصلا . وقال - قدس اللّه سره - : طفت ليلة حول زيورتون فوصلت إلى أكمة هنالك ، فورد عليّ حال عجيب فقيل لي : اطلب من حضرتنا ما أردت ، فقلت مع التواضع والخضوع : إلهي ! هب لي قطرة من بحار رحمتك وعنايتك فقيل لي : تطلب من كرم حضرتنا قطرة . فأخذني حال أعظم ، وهزتني الأريحية وعلو الهمة ، فلطمت وجهي لطمة قوية وجدت ألمها أياما ، وقلت : يا كريم ! هب لي
--> ( 1 ) قوله ( نفي الوجود ) : نفي الوجود الممكن عبارة عن الفناء عنه في الشهود ، لا في الوجود الخارجي ، لأنه واجب عرضي بعد بروزه ، فأعمال العارفين ومقاماتهم في الظاهر موجودة وفي الباطن غير مشهودة ( ع ) . ( 2 ) قوله ( الفضلات ) : من حيث استحالتها إلى سماد طبيعي تنتفع به الأراضي . ( ع ) .