السيد محمد باقر الخوانساري
42
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات
وشاهدت حلقة درسه ، وهو طاعن في السّنّ ، وكان إذا جرى بحث في مجلسه وتكلّم والدي في مسألة بكلام وبحث معه يعارضه أهل ذلك المجلس عنادا أو لسوء فهم ، فيقع البحث بينهم والشيخ ساكت ، وإذا انتهى الأمر ليحكم بينهم يقول يا إخوان لا يغيّر في وجوه الحسان يعنى به والدي رحمه اللّه فإذا سمعوا هذا سكتوا ، سمعت هذا من شيخنا الشيخ محمد الحرفوشى رحمه اللّه لانّه كان يحضر مجلس درس هذا الشيخ وقرأ على والدي واستفاد منه ، ولوالدي رحمه اللّه اشعار رائقة تشتمل على مواعظ وحكم والغاز ومراسلات وإنشاءات نثر وكان مصاحبا للفريقين بحسن الخلق وبسط اليد . ومن جملة احتياطه وتقواه انّه بلغه أنّ بعض أهل العراق لا يخرج الزّكاة ، فكان كلّ ما اشترى من القوت شيئا زكويّا زكّاه قبل أن يتصرّف فيه . وارسل له الأمير يونس بن الحرفوش إلى مكّة المشرّفة خمسمائة قرش ؛ وكان هذا الرّجل له أملاك من زرع وبساتين وغير ذلك يتوفّى أن يدخل فيها وأرسل إليه معها كتابه مشتملة على آداب وتواضع ، وكان له فيه اعتقاد زايد ، والتمس منه أن يقبل ذلك ؛ وانّه من خالص ماله الحلال ، وقد زكاه وخمّسه إلى أن يقبل ، فقال له الرّسول انّ أهلك وأولادك في بلاد هذا الرّجل ، وله بك تمام الاعتقاد ، وله على أولادك وعيالك شفقة زائدة فلا ينبغي أن تجبهه بالردّ ، فقال إن كان ولا بدّ من ذلك فابقها عندك واشتر في هذه السّنة بمائة قرش منها شيئا من العود والقماش ، وتوسّله إليه على وجه الهديّة ، وهكذا تفعل كلّ سنة حتّى لا يبقى منها شئ ، فأرسل له ذلك تلك السّنة وانتقل إلى رحمة اللّه ورضوانه . وطلبه سلطان ذلك الزّمان عفى اللّه عنه مرّة من العراق ، فأبى ذلك ، وطلبه من مكّة المشرّفة فأبى ، فبلغه أنّه يعيد عليه أمر الطّلب وهكذا صار ، فانّه عيّن له مبلغا لخرج الطّريق وكان يكتب له ما يتضمّن تمام اللّطف والتّواضع ، وبلغني انّه قيل له : إذا لم تقبل الإجابة فاكتب له جوابا ، فقال إن كتبت شيئا بغير دعاء له كان ذلك غير لائق وإن دعوت له فقد نهينا عن مثل ذلك ، فألح عليه بعض أصحابه وبعد التّأمّل قال ورد حديث يتضمّن جواز الدّعاء لمثله بالهداية ، فكتب له كتابة وكتب فيها من الدّعاء هداه اللّه لا غير .