السيد محمد باقر الخوانساري

159

روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات

البيت الحرام في غير وقت الحجّ ، فمررت بالشّام إلى أن وصلت إلى دمشق فلمّا كنت بالغوطة قبل دخول دمشق مررت بقرية من قراها ، فرأيت في تلك القرية تلّ تراب وعليه صبّى رباعي السّن يلعب بالتّراب ، فقلت في نفسي : هذا صبىّ إن سلّمت عليه لم يعرف السّلام ، وإن تركت السّلام أخللت بالواجب فأجمعت رأيي أن اسلّم عليه ، فسلّمت عليه ، فرفع رأسه إلىّ وقال : والّذي رفع السّماء وبسط الأرض لولا ما أمر اللّه به من ردّ السّلام لما رددت عليك استصغرت أمرى واستحقرتنى لصغر سنّى عليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته وتحيّاته ورضوانه ، ثم قال صدق اللّه وإذا حييتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها وسكت ، فقلت : أو ردّوها ، فقال : ذاك فعل المقصّر مثلك ، فعلمت انّه من الأقطاب المؤيدين فقلت : يا سيّدى استغفر اللّه وأتوب إليه ، فقال وعيناه تهملان « وهو الّذى يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون » ثمّ قال لي : يا أبا يزيد مرحبا بك ما أقدمك إلى الشّام من مدينتك بسطام ؟ فقلت : يا سيّدى اقصد زيارة البيت قال أىّ بيت ؟ قلت : بيت اللّه الحرام ، فقال نعم القصد وسكت ، ثم رفع رأسه إلىّ وقال يا أبا يزيد عرفت صاحب البيت فعلمت إشارته وما يريد ، فقلت لا فقال : هل رأيت أحدا يتوجّه إلى بيت من لم يعرف ؟ قلت : لا يا سيّدى وأنا أرجع إلى مدينتى حتّى أعرف صاحب البيت ، قال : ذاك إليك ، فودعته ورجعت من ساعتي على اثرى إلى بسطام وعملت الخلوة حتّى عرفت اللّه تعالى ! ثمّ خرجت ومضيت إلى أن وصلت الشّام ووصلت الغوطة إلى القرية بعينها ، فوجدت الصّبى على كومة التّراب على الحالة الّتى فارقته عليها في العام الماضي ، فسلّمت عليه فرحّب بي وردّ علىّ السّلام أحسن من الاوّل وجلست ووانسنى بالكلام وأنا من هيبته لا أستطيع اتكلّم إلّا جوابا ، ثم التفت إلىّ وقال : يا أبا يزيد كانّك عرفت صاحب البيت ؟ ! قلت : نعم يا سيّدى فقال : فاذن لك في التّوجه إلى بيته ، فقلت : لا يا سيّدى وعلمت إشارته ومعنى قوله : وقلت : أرجع حتّى يأذن لي في زيارة بيته ، فقال : يا أبا يزيد وكلّ من عرف إنسانا يتهجّم على بيته من غير استيذان لصاحب البيت ولا استدعاء منه فقلت : لا يا سيّدى وأنا أرجع قال : ذلك إليك وودّعته وانصرفت إلى بسطام وأقبلت إلى أن وصلت إلى