السيد محمد باقر الخوانساري
362
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات
ولقد اشتمل على فضيلة جميلة ، ومنقبة جليلة تفرّد بها عن أبناء جنسه ، وحباه اللّه بها تزكية لنفسه ، وهي انّه من المعلوم البيّن انّ العلماء رحمهم اللّه لم يقدروا على أن يروّجوا أمور العلم وينظموا أحواله ويفرغوه في قالب التّصنيف والتّرصيف حتّى يتفق لهم من يقوم بجميع المهمّات ، ويكفيهم كلّما يحتاجونه من المتعلّقات ، ويقطع عنهم جميع العلائق ، ويزيل عنهم جميع الموانع والعوائق ، اما من ذي سلطان سخره اللّه لهم ، أو من ذي مروّة وأهل خير يلقى اللّه في قلبه قضاء مهمّاتهم ، لئلّا يحصل الإخلال باللّطف العظيم ، ويتعطّل السّلوك إلى المنهج القويم . ومع ذلك كانوا في راحة من الخوف بالأمان ، وفي دمة من حوادث الزّمان ، وكان شيخنا المذكور مع ما عرفت يتعاطى جميع مهمّاته بقلبه وبدنه ، حتّى لو لم يكن إلا مهمّات الواردين عليه ، ومصالح الضّيوف المتردّدين إليه ، مضافا إلى القيام بأحوال الأهل والعيال ، ونظام المعيشة وأسبابها من غير وكيل ، ولا مساعد يقوم بها . حتّى انّه ما كان يعجبه تدبير أحد في أموره ، ولا يقع على خاطره ترتيب مرتب لقصوره عمّا في ضميره ، ومع ذلك كله فقد كان غالب الزّمان في الخوف الموجب لاتلاف النّفس ، والتّستّر والاخفاء الّذى لا يسع الإنسان معه أن يفكر في مسئلة من الضّروريات البديهية ولا يحسن أن يعلق شيئا يقف عليه من بعده من ذوى الفطن النّبيهة وسيأتي انشاء اللّه في عدّة تصانيفه على ما ظهر عنه في زمن غزارة العلوم المشتبهة بنفايس جواهر المنظوم وقد برز عنه مع ذلك من التصنيفات والأبحاث والتّحقيقات والكتابة والتّعليقات من هو ناش عن فكر صاف وغارف من بحار علم واف بحيث إذا فكر من تفكّر في الجمع بين هذا وبين ما ذكرنا تحيّر وهذه فضيلة يشهد له بها كلّ من كان له به أدنى مخالطة ولا يمكن أحدا فيها مغالطة ومن الشّاهد الواضح البيّن انّ الواحد منّا مع قلّة موانعه وتعلّقاته وتوفير دواعيه وأوقاته لو بذل الجهد في استقصاء كتابة مصنّفاته وما برز من تحقيقاته لم يستطع من أصحابه استقصاها ولا بلغ منتهاها وكفاه بذلك نبلا وفخرا .