صديق الحسيني القنوجي البخاري
232
أبجد العلوم
الفرح والطرب ، والتقاعد عن طلب الأدب وأدب الطلب ، أما نظرت إلى قلع المدارس لبناء المجالس ، وهدم المساجد لعمارة الكنائس ، سخر الناس بمن يعظ على المنابر ، وطعنوا المسلمين على اتباع السنة كأنه عندهم من الكبائر : ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الأجرب وبالجملة فهذا زمان الجور والجهل والتبعات ، وأوان فيه ظلمات فوقها ظلمات ، ولكن حيث سبق الوعد من خير البشر بوجود من يجدد أمر الدين ، على رأس كل مائة من السنين ، منّ اللّه تعالى على أهل الأرض ، لا سيما على من يميز النفل من الفرض ، بنخبة علمائها ، وعمدة عرفائها ، من شمر عن ساق الجد لأشاعرة العلم ودفع فساد الزمان ، الواقع بكثرة الجهل فساد الأعيان وفاق الأقران ، الذي زهت الدنيا بأنوار تدبيره الرائق ورئاسته ، وربت الخليفة بخلقه الكريم وحسن سياسته ، وعنت الدولة العلية بمفرقها ، وجعلته عضد مرفقها ، وألقت إليه مقاليد الأمور طارفها وتليدها ، وفوضت إليه أزمة العلوم قديمها وجديدها إلى أن بهج لها حسنها وجمالها ، وعطرت الأكوان صباها وشمالها ، بث على أهل الأرض السكينة والحلم ، وبص لهم نقود العرفان والعلم ، أحاط عموم فضله الباهر بأطراف المشارق والمغارب ، وسخر الأقطار عساكر محامده والمناقب طارت الأرواح بمفاخره ، وسارت الركبان بمآثره ، جرى الدهر طوعا أو كرها تحت أزمته ، وخضع له الصديق والعدو برمته ، وهو مع هذه الرتب العلية والدرجات الرفيعة على حالته الأولى من الاعتناء بشأن العلوم والفنون الشريفة ، ونشر للشرائع الدينية والأحكام النبوية المنيفة ، عمّر بيت العلم والدين غب ما انهدم وخرب ، حتى نسل إليه أربابه وقدم عليه أصحابه من كل حدب وسرب ، وهو الذي اجتهد في تحقيق الحق وتقرير المسائل الملية اجتهادا بالغا ، ودون أحكام السنة المطهرة على وجهها تدوينا من تعلق به صار في الدنيا نابغا ، انظر إلى كتابه هذا كيف جمع فيه من أحوال العلوم وأنواعها وأصحابها وتراجمهم ما لم يجتمع في غيره من الكتب ، ولم تحوها الدواوين الكبار ولا طوال الخطب . إذا نثر فعبد الحميد أو ابن العميد ، وإذا نظم فثالث عبيد ولبيد ، سقته العلوم زلالها ، ومدت عليه ظلالها ، طلع من أغوار الفنون على أنجادها وأطلالها ، فلم ينل واحد من الموالي والأهالي ما ناله من بللها وبلاها مفاتيحها ملقاة لديه والعوائص ملغاة لا بين يديه . أما علم التفسير فهو بحره المحيط وكشاف رموزه باللفظ الوجيز الفائق على الوسيط والبسيط .