صديق الحسيني القنوجي البخاري

91

أبجد العلوم

تخلف عن خدمة الملوك ، وبنى موضع التعليم ، وأقبل على العناية بمصالح الناس . وكان جليل القدر كثير التلاميذ من الملوك وأبناءهم ، وكان أهل مدينة أسطا إذا أشكل عليهم أمر يجتمعون إلى قبره حتى يفتح لهم ويزعمون أن قبره يصحح فكرهم ويذكي عقولهم واستيفاء أخباره لا يمكن إلا في مجلد . ومن جملة أساتذة الحكمة الفارابي وهو أبو نصر محمد بن محمد كان ذكيا حكيما مشهورا صاحب التصانيف في المنطق والمحكمة وغيرهما من العلوم ، وهو أكبر فلاسفة الإسلاميين لم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه ، وتخرج ابن سينا في كتبه وبعلومه ، انتفع في تصانيفه ، وكان رجلا تركيا تنقلت به الأسفار إلى أن وصل بغداد وهو يعرف كثيرا من اللغات غير العربي ثم تعلمه وأتقنه . ثم اشتغل بالحكمة فقرأ على أبي بشر متى بن يونس الحكيم من شرح كتاب أرسطو في المنطق سبعين سفرا ، وكان هو شيخا كبيرا له صيت عظيم يجتمعون في حلقته كل يوم المئون من المنطقيين ، ثم أخذ طرفا من المنطق من أبي حنا بن خيلان الحكيم النصراني بمدينة حران ، ثم نقل إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة وتمهر في كتب أرسطو جميعها ، يقال وجد كتاب النفس لأرسطو عليه مكتوب بخط الفارابي إني قرأت هذا الكتاب مائتي مرة ، وقال قرأت السماع الطبعي لأرسطو أربعين مرة ومع ذلك إني محتاج إلى معاودته ، وكان يقول لو أدركت أرسطو لكنت أكبر تلامذته . ثم سافر إلى دمشق ثم إلى مصر ثم عاد إلى دمشق فأحسن إليه سلطانها « 1 » سيف الدولة بن حمدان وأجرى عليه كل يوم أربعة دراهم لأنه كان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكتسب ولا مسكن لذلك اقتصر على أربعة دراهم ، وكان منفردا بنفسه لا يكون إلا في مجتمع ماء أو مشبك رياض ويؤلف كتبه هناك وكان أكثر تصانيفه في

--> ( 1 ) يحكى أنه دخل على مجلس سيف الدولة وهو يرى الأتراك وكان ذلك زيه دائما فتخطى رقاب الناس وكان المجلس مجمع الفضلاء حتى انتهى إلى مجلس سيف الدولة وزاحمه حتى أخرجه عنه فقال سيف الدولة لمماليكه بلسان خاص يسار بهم هذا الشيخ قد أساء الأدب وإني لسائله عن أشياء إن لم يعرف بها فأخرجوه فقال له أبو نصر بذلك اللسان أيها الأمير اصبر فإن الأمور بعواقبها فقال سيف الدولة أتحسن بهذا اللسان فقال نعم بل أكثر من سبعين لسانا فعظم عنده ثم أخذ يتكلم في كل فن حتى بز جميع الحاضرين فخلى به سيف الدولة فقال له تشرب فقال لا فقال أتسمع قال نعم فاحضر الآلات فما حرك أحد منها شيئا إلا ادعى به أبو نصر ثم أخرج من وسط خريطته عيدانا فركبها فلعب بها فضحك كل من حضر ثم فكها وركبها آخر فضرب بها فبكى كلهم ثم فكها وغير تركيبها وحركها فنام كلهم حتى البواب فتركهم نياما وخرج كذا في مدينة العلوم ، منه دام مجده ( من حاشية المطبوع ) .