صديق الحسيني القنوجي البخاري
76
أبجد العلوم
ومنهم الذين اتصفوا بالعلم وتزكية الأخلاق لكن بقي منها خبايا في زوايا القلب ولم يشعروا بها ، وهؤلاء أيضا مغرورون بظواهر أحوالهم وغفلوا عن تحصيل القلب السليم . ومنهم الذين اقتصروا على علم الفتاوى وإجزاء الأحكام ، وهم مغرورون لأنهم اقتصروا على فرض الكفاية وأخلوا بفرض العين وهو إصلاح أنفسهم وتزكية أخلاقهم وتصفية قلوبهم من الحقد والحسد وأمثال ذلك . ومنهم الوعاظ ، وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات القلب من الخوف والرجاء والإخلاص ونحو ذلك ، وأكثرهم مغرورون لأنهم يتكلمون فيما ذكر وليس لهم من ذلك شيء . ومنهم من اشتغل باللغة ودقائق العلوم العربية وأفنوا عمرهم فيها ظنا منهم أنهم من علماء الأمة لأنهم في صدد أحكام مباني الكتاب والسنة ، وهم مغرورون لأنهم اتخذوا القشر مقصودا فاغتروا به وأصناف المغرورين من الناس لا يمكن تعدادهم وفي هذا القدر كفاية لمن اعتبر ، اللهم ألهمنا طريق دفع الغرور ، ولا يمكن ذلك إلا بالعقل الذي هو مبنى الخيرات وأساسها ثم بالمعرفة ، وهي لا تعم إلا بمعرفة نفسه بالذل والعبودية ، ومعرفة ربه بالجلال والهيبة وصفا بقلبه بلذة المناجاة واستوت عنده من الدنيا ذهبها ومدرها « 1 » ولا يبقى للشيطان عليه من سلطان فاح « 2 » ينسد في قلبه داخل الغرور ، ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور . علم آفات الغضب وهو مذموم بكتاب اللّه تعالى وسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين . وحقيقته أنه حرارة تنبعث من الباطن لدفع المضار البدنية « 3 » ، لأن البدن لكونه غير مأمون عن الضرر خلق اللّه تعالى في البدن نار الغضب لتدفع الضرر عنه وله درجات . إحداها : الإفراط وهو مذموم لأنه يتجاوز عن حد دفع الشر إلى إيقاع الشر .
--> ( 1 ) المدر : الطين اللزج المتماسك ، والقطعة منه : مدرة . ( 2 ) أي موح . يقال : فاحاه : خاطبه فأفهمه ما يوحي به في خطابه . انظر المعجم الوسيط ( ص 676 ) . ( 3 ) في كشاف اصطلاحات الفنون ( 3 / 378 ) : « الغضب : هو حركة للنفس مبدأها الانتقام » .