صديق الحسيني القنوجي البخاري
346
أبجد العلوم
وحاصل مداركهم في الوجود على الجملة وما آلت إليه وهو الذي فرعوا عليه قضايا أنظارهم أنهم عثروا أولا على الجسم السفلي بحكم الشهود والحس . ثم ترقى إدراكهم قليلا فشعروا بوجود النفس من قبل الحركة والحس والحيوانات « 1 » ، ثم أحسوا من قوى النفس بسلطان العقل ووقف إدراكهم فقضوا على الجسم العالي السماوي بنحو من القضاء على أمر الذات الإنسانية ، ووجب عندهم أن يكون للفلك نفس وعقل كما للإنسان . ثم أنهوا ذلك نهاية عدد الآحاد وهي العشر تسع مفصلة ذواتها جمل واحد « 2 » أول مفرد وهو العاشر ويزعمون أن السعادة في إدراك الوجود على هذا النحو من القضاء مع تهذيب النفس وتخلقها بالقضاء « 3 » وأنّ ذلك ممكن للإنسان ولو لم يرد شرع لتمييزه بين الفضيلة والرذيلة من الأفعال بمقتضى عقله ونظره وميله إلى المحمود منها واجتنابه للمذموم بفطرته ، وذلك إذا حصل للنفس حصلت لها البهجة واللذة ، وأن الجهل بذلك هو الشقاء السرمدي ، وهذا عندهم هو معنى النعيم والعذاب في الآخرة إلى خبط لهم في تفاصيل ذلك معروف من كلماتهم . وإمام هذه المذاهب الذي حصل مسائلها ودون علمها وسطر حجاجها فيما بلغنا في هذه الأحقاب هو أرسطو « 4 » المقدوني من أهل مقدونية من بلاد الروم من تلاميذ أفلاطون وهو معلم الإسكندر ويسمونه المعلم الأول على الإطلاق ، ويعنون معلم
--> ( 1 ) في مقدمة ابن خلدون ( ص 596 ) : « بالحيوانات » . ( 2 ) في مقدمة ابن خلدون ( ص 596 ) : « وواحد » . ( 3 ) في مقدمة ابن خلدون ( ص 596 ) : « بالفضائل » وهو الصواب . ( 4 ) أرسطو ، أو أرسطاطاليس : معناه محبّ الحكمة ، ويقال : الفاضل الكامل ، ويقال : التام الفاضل . وهو أرسطاطاليس بن نيقوماخس بن ماخاون من ولد اسقلبيادس الذي اخترع الطب لليونانيين . وكان اسم أمه أفسيطيا وترجع إلى أسقلبيادس . وكان من مدينة لليونانيين تسمى أسطاغرايا ، وكان أبوه نيقوماخس متطببا لفليبس أبي الإسكندر . وهو من تلاميذ أفلاطون . ويقال إنه نظر في الفلسفة بعد أن أتى عليه من عمره ثلاثون سنة . وكان بليغ اليونانيين ومترسلهم وأجلّ علمائهم بعد أفلاطون ؛ وله إليه جماعة رسائل ومكاتبات في السياسة وغيرها ؛ فمن ذلك : رسالة في السياسة . ويقال إن فيلبس لما توفي وملك الإسكندر وتوجه إلى محاربة الأمم ، تخلّى أرسطاطاليس وتبتّل وصار إلى أثينا ، فهيّأ موضعا للتعليم ، وهو الموضع الذي ينسب إلى الفلاسفة المشّائين ، وأقبل على العناية بمصالح الناس ورفد الضعفاء وجدّد بناء مدينة اسطاغرايا . وأخباره كثيرة . وتوفي أرسطو وله ستّ وستون سنة في آخر أيام الإسكندر ، ويقال أول ملك بطلميوس لاغوس ، وخلفه على التعليم ثاوفرسطس ابن أخته . انظر فهرست ابن النديم ( ص 402 ، 403 ) .