صديق الحسيني القنوجي البخاري

339

أبجد العلوم

الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه ، فصرّحوا بالعجز والإعواز وردّوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين ، وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية لا محصول اليوم للفقه غير هذا ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة . فأما أحمد بن حنبل فمقلدوه قليلون لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية للإخبار بعضها ببعض وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث « 1 » . وأمّا أبو حنيفة فمقلدوه اليوم أهل العراق ومسلمة الهند ، والصين وما وراء النهر ، وبلاد العجم كلها لما كان مذهبه أخص بالعراق ودار السلام ، وكانت تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية وحسنت مباحثهم في الخلافيات وجاءوا منها بعلم مستطرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي الناس وبالمغرب منها شيء قليل نقله إليه القاضي ابن العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما . وأمّا الشافعي رحمه اللّه فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها ، وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار وعظمت مجالس المناظرات بينهم ، وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم ، ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة من بني عبد الحكم ، وأشهب ، وابن القاسم ، وابن المواز وغيرهم ، ثم الحارث بن مسكين وبنوه .

--> ( 1 ) بعد هذا في مقدمة ابن خلدون ( ص 479 ) : « وميلا بالاستنباط إليه عن القياس ما أمكن ، وكان لهم ببغداد صولة وكثرة ، حتى كانوا يتواقعون مع الشيعة في نواحيها ، وعظمت الفتنة من أجل ذلك ، ثم انقطع ذلك عند استيلاء التتر عليها ولم يراجع وصارت كثرتهم بالشام ؛ وأما أبو حنيفة . . الخ » .