صديق الحسيني القنوجي البخاري
337
أبجد العلوم
أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعة وعلما فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء . وانقسم الفقه إلى طريقتين : طريقة أهل الرأي والقياس وهم أهل العراق . وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز . وكان الحديث قليلا في أهل العراق فاستكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل أهل الرأي ، ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده . ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك كلها منحصرة في النصوص والإجماع وردّوا القياس الجلي والعلة المنصوصة إلى النص لأن النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها وكان إمام هذا المذهب داود بن علي وابنه وأصحابه « 1 » . وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة ، وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح ، على قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلها أصول واهية ، وشذ بمثل ذلك الخوارج ولم يحتفل « 2 » الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح فلا نعرف شيئا من مذاهبهم ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم ، فكتب الشيعة في بلادهم وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن ، والخوارج كذلك ، ولكل منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة . ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلا في الكتب المجلدة ، وربما يعكف كثير من الطالبين ممن تكلف بانتحال مذهبهم على تلك الكتب يروم أخذ فقههم منها ومذهبهم فلا يحلو بطائل ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم عليه ، وربما عدّ بهذه النحلة من أهل البدع بنقله « 3 » العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين وقد فعل ذلك ابن حزم بالأندلس على علو رتبته في حفظ الحديث وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم
--> ( 1 ) في مقدمة ابن خلدون ( ص 477 ) « وأصحابهما » . ( 2 ) في مقدمة ابن خلدون ( ص 477 ) : « يحفل » . ( 3 ) في مقدمة ابن خلدون ( ص 478 ) : « بتلقّيه » .