صديق الحسيني القنوجي البخاري
190
أبجد العلوم
الأوضاع ، فإن غرضهم كان أولا حفظ الحديث مطلقا وإثباته ودفع الكذب عنه ، والنظر في طرقه وحفظ رجاله وتزكيتهم واعتبار أحوالهم والتفتيش عن أمورهم ، حتى قدحوا وجرّحوا وعدّلوا وأخذوا وتركوا هذا بعد الاحتياط والضبط والتدبر ، فكان هذا مقصدهم الأكبر وغرضهم الأوفى ، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم والمهم الأعظم ولا رأوا في أيامهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع ، بل ولا يجوز لهم ذلك فإن الواجب أولا إثبات الذات ، ثم ترتيب الصفات ، والأصل إنما هو عين الحديث ثم ترتيبه وتحسين وضعه ففعلوا ما هو الغرض المتعين واخترمتهم المنايا قبل الفراغ والتخلي لما فعله التابعون لهم والمقتدون بهم فتعبوا الراحة من بعدهم . ثم جاء الخلف الصالح فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة ويشيعوا هذه العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها ، إما بإيداع ترتيب ، أو بزيادة تهذيب ، أو اختصار أو تقريب أو استنباط حكم وشرح غريب . فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار كمن جمع بين كتابي البخاري ومسلم مثل أبي بكر أحمد بن محمد الرماني وأبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي وأبي عبد اللّه محمد الحميدي ، فإنهم رتبوا على المسانيد دون الأبواب . وتلاهم أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري فجمع بين كتب البخاري ومسلم والموطأ لمالك وجامع الترمذي وسنن أبي داود والنسائي ، ورتب على الأبواب إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح وكان كتاب رزين أكبرها وأعمها حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث وأشهرها وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء وأثبتوا الأحكام ، ومصنفوها أشهر علماء الحديث وأكثرهم حفظا وإليهم المنتهى . وتلاه الإمام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري فجمع بين كتاب رزين وبين الأصول الستة ، بتهذيبه ترتيب أبوابه ، وتسهيل مطالبه ، وشرح غريبه في جامع الأصول فكان أجمع ما جمع فيه . ثم جاء الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي فجمع بين الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها في جمع الجوامع فكان أعظم بكثير من جامع الأصول