صديق الحسيني القنوجي البخاري
165
أبجد العلوم
ولا تدبر لما أودع فيه فسموا القراء . واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال والحروف العاملة وغيرها وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها وضروب الأفعال واللازم والمتعدي ، ورسوم خط الكلمات وجميع ما يتعلق به ، حتى أن بعضهم أعرب مشكله وبعضهم أعربه كلمة كلمة . واعتنى المفسرون بألفاظه ، فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد ، ولفظا يدل على معنيين ، ولفظا يدل على أكثر فأجروا الأول على حكمه وأوضحوا معنى الخفي منه وخاضوا في ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين والمعاني واعمل كل منهم فكره وقال بما اقتضاه نظره . واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية مثل قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية اللّه ووجوده وبقائه وقدمه وقدرته وعلمه وتنزيهه عما لا يليق به وسموا هذا العلم ( بأصول الدين ) . وتأملت طائفة منهم معاني خطابه ، وأن منها ما يقتضي العموم ، ومنها ما يقتضي الخصوص ، إلى غير ذلك فاستنبطوا منه أحكام اللغات من الحقيقة والمجاز ، وتكلموا في التخصيص والإضمار والنص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه والأمر والنهي والنسخ إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة ، واستصحاب الحال والاستقراء وسموا هذا الفن أصول الفقه . وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر الأحكام ، فابتنوا أصوله وفروعه وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا وسموه بعلم الفروع وبالفقه أيضا . وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة والأمم الخالية ، ونقلوا أخبارهم ودوّنوا آثارهم ووقائعهم ، حتى ذكروا بدء الدنيا أول الأشياء حتى سموا ذلك بالتاريخ والقصص . وتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال والمواعظ التي ترقق قلوب الرجال ، وتكاد تدكدك شوامخ الجبال ، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد والتحذير والتبشير وذكر الموت والمعاد والنشر والحشر والحساب والعقاب والجنة والنار فصولا من