صديق الحسيني القنوجي البخاري

132

أبجد العلوم

ردّ فيه على المتصوفة ردا لطيفا وهو سفر نافع جدا . فصل قال عبد الرحمن بن خلدون : هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملّة . وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية . وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف ، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة . وقال القشيري رحمه اللّه ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية ولا قياس والظاهر أنه لقب ومن قال اشتقاقه من الصفا أو من الصّفّة فبعيد من جهة القياس اللغوي قال وكذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه قلت والأظهر أن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من مخالفة الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد والانفراد عن الخلق والإقبال على العبادة اختصوا بمآخذ مدركة لهم ، وذلك أن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر الحيوان بالإدراك ، وإدراكه نوعان : إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم وإدراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط والرضاء والغضب والصبر والشكر . وأمثال ذلك فالروح العاقل والمتصرف في البدن تنشأ من إدراكات وإرادات وأحوال ، وهي التي يميز بها الإنسان ، وبعضها ينشأ من بعض كما ينشأ العلم من الأدلة والفرح والحزن عن إدراك المؤلم أو المتلذذ به والنشاط عن الحمام والكسل عن الإعياء ، وكذلك المريد في مجاهدته لا بد وأن ينشأ عن كل مجاهدة حال نتيجة تلك المجاهدة وتلك الحالة إما أن تكون نوع عبادة فترسخ وتصير مقاما للمريد ، وإما أن لا تكون عبادة ، وإنما تكون صفة حاصلة للنفس من حزن وسرور ونشاط أو كسل أو غير ذلك من المقامات .