صديق الحسيني القنوجي البخاري

113

أبجد العلوم

إلى زيد وتسمى هذه استعارة . وقد تريد باللفظ المركب الدلالة على ملزومه كما تقول زيد كثير الرماد وتريد به ما لزم ذلك عنه من الجود وقري الضيف لأن كثرة الرماد ناشئة عنهما فهي دالة عليهما وهذه كلها دلالة زائدة على دلالة الألفاظ المفرد والمركب ، وإنما هي هيئات وأحوال لواقعات جعلت للدلالة عليها أحوال وهيئات في الألفاظ كل بحسب ما يقتضيه مقامه ، فاشتمل هذا العلم المسمى بالبيان على البحث عن هذه الدلالات التي للهيئات والأحوال والمقامات ، وجعل على ثلاثة أصناف : الصنف الأول : يبحث فيه عن هذه الهيئات والأحوال التي تطابق باللفظ جميع مقتضيات الحال ويسمى علم البلاغة . والصنف الثاني : يبحث فيه عن الدلالة على اللازم اللفظي وملزومه وهي الاستعارة والكناية كما قلناه ويسمى علم البيان ، وألحقوا بهما صنفا آخر وهو النظر في تزيين الكلام وتحسينه بنوع من التنميق ، إما بسجع يفصله أو تجنيس يشابه بين ألفاظه ، وترصيع يقطع أوزانه ، أو تورية عن المعنى المقصود بإيهام معنى أخفى منه لاشتراك اللفظ بينهما وأمثال ذلك ويسمى عندهم علم البديع . وأطلق على الأصناف الثلاثة عند المحدثين اسم البيان ، وهو اسم الصنف الثاني لأن الأقدمين أول ما تكلموا فيه ثم تلاحقت مسائل الفن واحدة بعد أخرى . وكتب فيها جعفر بن يحيى والجاحظ وقدامة وأمثالهم ملاءات غير وافية . ثم لم تزل مسائل الفن تكمل شيئا فشيئا إلى أن محض السكاكي زبدته وهذب مسائله ورتب أبوابه على نحو ما ذكرناه آنفا من الترتيب وألف كتابه المسمى بالمفتاح في النحو الصرف والبيان ، فجعل هذا الفن من بعض أجزائه وأخذه المتأخرون من كتابه ولخصوا منه أمهات هي المتداولة لهذا العهد كما فعله السكاكي في كتاب التبيان ، وابن مالك في كتاب المصباح ، وجلال الدين القزويني في كتاب الإيضاح والتلخيص وهو أصغر حجما من الإيضاح . والعناية به لهذا العهد عند أهل المشرق في الشرح والتعليم منه أكثر من غيره وبالجملة فالمشارقة على هذا الفن أقوم من المغاربة وسببه واللّه أعلم أنه كما لي في العلوم اللسانية والصنائع الكمالية توجد في العمران والمشرق أوفر عمرانا من المغرب .