صديق الحسيني القنوجي البخاري
93
أبجد العلوم
المحدثات ، ولا يشتغل بهذا الجدل الذي ظهر بعد انقراض الأكابر من العلماء . وأما اختيار الأستاذ فيختار الأعلم والأورع والأسن . والمشاورة في طلب العلم أهم وأوجب . وينبغي أن يثبت ويصبر على أستاذ وعلى كتاب حتى لا يتركه أبتر ، وعلى فن حتى لا يشتغل بفن آخر قبل أن يتقن الأول ، وعلى بلد حتى لا ينتقل إلى بلد آخر من غير ضرورة ، ولا ينال ولا ينتفع به إلا بتعظيم العلم وأهله وتعظيم الأستاذ وتوقيره . ولا بدّ لطالب العلم من الجد والمواظبة والملازمة ، وإليه الإشارة في القرآن الكريم : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا و يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ قيل : اتخذ الليل جملا تدرك به أملا . ويواظب على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره ، فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك ، والكسل من قلة التأمل في مناقب العلم وفضائله . والعلم النافع يحصل به حسن الذكر ويبقى ذلك بعد وفاته فإنه حياة أبدية . ويوقف بداية السبق على يوم الأربعاء ، وهكذا كان يفعل أبو حنيفة - رحمه اللّه - بل كان الشيخ أبو يوسف الهمداني يوقف كل عمل من أعمال الخير على يوم الأربعاء ، وهذا لأنه يوم خلق فيه النور وهو يوم نحس في حق الكفار فيكون مباركا للمؤمنين . وينبغي أن يكون قدر السّبق للمبتدئ قدر ما يمكن ضبطه بالإعادة مرتين بالرفق ، ويزيد كل يوم كلمة وقد قيل : السبق حرف والتكرار ألف . قال الأستاذ شرف الدين العقيلي : الصواب عندي في هذا ما فعله مشايخنا ، وإنهم كانوا يختارون للمبتدئ صغارات المبسوط لأنه أقرب إلى الفهم والضبط وأبعد عن الملالة وأكثر وقوعا بين الناس ، قيل : حفظ حرفين خير من سماع وقرين « 1 » وفهم حرفين خير من حفظ وقرين . فينبغي أن لا يتهاون في الفهم . ولا بدّ من المذاكرة والمناظرة والمطارحة ، لكن بالإنصاف والتأني والتأمل دون الشغب والغضب ، وهي أقوى من فائدة مجرد التكرار . قيل : مطارحة ساعة خير من تكرار شهر . ويشتري بالمال الكتب ، ويستكتب فيكون عونا على التعلم والتفقه . وينبغي أن لا يكون لطالب العلم فترة فإنها آفة . ويتوكل في طلب العلم ولا يهتم لأمر الرزق ، ولا يشغل قلبه بذلك . ووقت التعلم من المهد إلى اللحد ، دخل حسن بن زياد « 2 » في التفقه وهو ابن ثمانين سنة . وأفضل الأوقات شرخ الشباب ووقت السحر وما بين العشاءين . وينبغي أن يستغرق
--> ( 1 ) مثنى « وقر » وهو الحمل الثقيل ( المعجم الوسيط : ص 1049 ) . ( 2 ) الأنصاري الكوفي اللؤلؤي المتوفى سنة 204 ه ( سير أعلام النبلاء : 9 / 543 ) .