صديق الحسيني القنوجي البخاري
76
أبجد العلوم
وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « وهو الأنيس في الوحشة » إشارة إلى الأول لأنه يريح بأنسه من كل قلق واضطراب . وقوله : « والصاحب في الغربة » إشارة إلى الثاني لأنه يقر من الغريب عينه ويريحه من كمود النفس من الحزن وانكسارها لفقد سرور الأهل والوطن . وقوله : « والمحدث في الخلوة » إشارة إلى الثالث ، لأن العلم يريح المنفرد عن الناس بتحديثه من انقباض الفهم وخموده ، وهو ألم ذاتي لأهل الكمال . وهذا هو السر في استلذاذ المسامرة والمنادمة . وقوله : « الدليل على السراء والضراء » أي في الماضي والآتي إشارة إلى الرابع الذي هو فقد سارّ ذاتي ، أي أن العلوم تقوم مقام الرأي السديد إذا استبشر ، إذ هو دال لصاحبه على السراء وأسبابها وعلى الضراء وموجباتها . فالحيرة وجهل عواقب الأمور مؤلم للنفس لفقد نور البصيرة ، فالعلم يريح من تلك الهموم والأحزان . والاستيلاء قسمان : أحدهما : استيلاء يمحق الشر ويدفع الضر وإليه أشار قوله : « والسلاح على الأعداء » . فبالعلم يزهق الباطل وتندفع الشبهة والجهالة . قيل لبعض المناظرين : فيم لذتك ؟ فقال : في حجة تتبختر إيضاحا ، وشبهة تتضاءل افتضاحا . وثانيهما : استيلاء يجلب الخير ويذهب الضر ، وإليه أشار قوله : « والزين عند الأخلاء » أي أن العلم جمال وحسن وكمال يجذب القلوب من الأخلاء كما قيل : العلم زين وكنز لا نفاد له * نعم القرين إذا ما عاقلا صحبا القسم الثالث : ما يجلبه العلم من الوجاهة والرتبة ، وهي إما عند اللّه سبحانه وتعالى ، وإما عند الملإ الأعلى ، وإما عند الملإ الأسفل . الأول : أشار إليه قوله : « يرفع اللّه سبحانه وتعالى به أقواما » أي يعلي مقامهم ورتبتهم فيجعلهم في الخير قادة وأئمة ، أي شرفاء الناس وسادتهم ، والقادة جمع قائد وهو الذي يجذب إلى الخير إما مع الإلزام كالقاضي والوالي اللذين إلزامهما على الظاهر وكالخطيب والواعظ اللذين إلزامهما على الباطن ، وكالأئمة الذين بعلمهم يهتدى وبحالهم يقتدى . والثاني : أشار إليه قوله : « ترغب الملائكة في خلتهم » أي لهم من المنزلة والمكانة في قلوبهم ما استولى على غيوب بواطنهم فرغبوا في محبتهم وأنسوا بملازمتهم وما استولى على