صديق الحسيني القنوجي البخاري
58
أبجد العلوم
الفصل السادس في بيان أجزاء العلوم قالوا : كل علم من العلوم المدونة لا بد فيه من أمور ثلاثة : الموضوع ، والمسائل ، والمبادئ . وهذا القول مبني على المسامحة ، فإن حقيقة كل علم مسائله ، وعدّ الموضوع والمبادئ من الأجزاء إنما هو لشدة اتصالهما بالمسائل التي هي المقصودة في العلم . أما الموضوع فقالوا : موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ، وتوضيحه : إن كمال الإنسان بمعرفته أعيان الموجودات من تصوراتها والتصديق بأحوالها على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية . ولما كانت معرفتها بخصوصها متعذرة مع عدم إفادتها كمالا معتدا به لتغيرها وتبدلها أخذوا المفهومات الكلية الصادقة عليها ذاتية كانت أو عرضية ، وبحثوا عن أحوالها من حيث انطباقها عليها ليفيد علمها بوجه كلي علما باقيا أبد الدهر . ولما كان أحوالها متكثرة وضبطها منتشرة مختلطة متعسرا اعتبروا الأحوال الذاتية لمفهوم مفهوم وجعلوها علما منفردا بالتدوين ، وسموا ذلك المفهوم موضوعا لذلك العلم ، لأن موضوعات مسائله راجعة إليه ، فصارت كل طائفة من الأحوال المتشاركة في موضوع علما منفردا ممتازا في نفسه عن طائفة أخرى متشاركة في موضوع آخر ، فجاءت علومهم متمايزة في أنفسها بموضوعاتها . وهذا أمر استحساني ، إذ لا مانع عقلا من أن يعد كل مسألة علما برأسه ويفرد بالتعليم ، ولا من أن تعد مسائل كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد علما واحدا ويفرد بالتدوين . فالامتياز الحاصل للطالب بالموضوع إنما هو للمعلومات بالأصالة ، وللعلوم بالتبع ، والحاصل بالتعريف . على عكس ذلك إن كان تعريفا للعلم ، وإن كان تعريفا للمعلوم فالفرق أنه قد لا يلاحظ الموضوع . ثم إنهم عمموا الأحوال الذاتية وفسروها بما يكون محمولا على ذلك المفهوم إما لذاته أو لجزئه الأعم أو المساوي ، فإن له اختصاصا بالشيء من حيث كونه من أحوال مقومه ، أو للخارج المساوي له سواء كان شاملا لجميع أفراد ذلك المفهوم على الإطلاق ، أو مع مقابله مقابلة التضاد أو العدم والملكة دون مقابلة السلب والإيجاب ، إذ المتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا اختصاص لهما بمفهوم دون مفهوم ضبطا للانتشار بقدر الإمكان . فأثبتوا الأحوال الشاملة على الإطلاق لنفس الموضوع ، والشاملة مع مقابلتها لأنواعه ، واللاحقة للخارج المساوي لعرضه الذاتي . ثم إن تلك الأعراض الذاتية لها عوارض ذاتية شاملة لها على الإطلاق أو على التقابل فأثبتوا العوارض الشاملة على الإطلاق لنفس الأعراض الذاتية ، والشاملة على التقابل لأنواع تلك الأعراض ،