صديق الحسيني القنوجي البخاري
40
أبجد العلوم
الموضوع علما منفردا ممتازا بنفسه عن طائفة متشاركة في موضوع آخر . فتمايزت العلوم في أنفسها بموضوعاتها ، وهو تمايز اعتبروه مع جواز الامتياز شيء آخر كالغاية والمحمول . وسلكت الأواخر أيضا هذه الطريقة الثانية في علومهم ، وذلك أمر استحسنوه في التعليم والتعلم . وإلا فلا مانع عقلا من أن يعد كل مسألة علما برأسه ويفرد بالتعليم والتدوين ، ولا من أن يعد مسائل متكثرة غير متشاركة في الموضوع علما واحدا يفرد بالتدوين وإن تشاركت من وجه آخر ككونها متشاركة في أنها أحكام بأمور على أخرى . فعلم أن حقيقة كل علم مدون المسائل المتشاركة في موضعها واحد ، وأن لكل علم موضوعا وغاية . وكل علم له جهة وحدة تضبط تلك المسائل المتكثرة وتعد باعتبارها علما واحدا . إلا أن الأولى جهة وحدة ذاتية ، والثانية جهة وحدة عرضية . ولذلك تعرف العلوم تارة باعتبار الموضوع ، فيقال في تعريف المنطق مثلا : علم يبحث فيه عن أحوال المعلومات ، وتارة باعتبار الغاية فيقال في تعريفه : آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر . ثم إن الأحوال المتعلقة بشيء واحد أو أشياء مناسبة تناسبا معتدا به إما في أمر ذاتي كالخط والسطح والجسم التعليمي ، المتشاركة في مطلق المقدار الذي هو ذاتي لها كعلم الهندسة ، أو في أمر عرضي كالكتاب والسنة والإجماع والقياس المتشاركة في كونها موصلة إلى الأحكام الشرعية كعلم أصول الفقه ، فتكون تلك الأحوال من الأعراض الذاتية التي تلحق الماهية من حيث هي لا بواسطة أمر أجنبي . وأما التي جميع مباحث العلم راجعة إليها فهي إما راجعة إلى نفس الأمر الذي هو الواسطة ، كما يقال في الحساب : العدد إما زوج أو فرد ، أو إلى جزئي تحته كقولنا : الثلاثة فرد ، وكقولنا في الطبيعي : الصورة تفسد وتخلف به لا عنه ، أو إلى عرض ذاتي له كقولنا : المفرد إما أول أو مركب . وأما العرض الغريب ، وهو ما يلحق الماهية بواسطة أمر عجيب ، إما خارج عنها أعم منها أو أخص فالعلوم لا تبحث عنه ، فلا ينظر المهندس في أن الخط المستدير أحسن أو المستقيم ، ولا في أن الدائرة نظير الخط المستقيم أو ضده ، لأن الحسن والتضاد غريب عن موضوع علمه وهو المقدار ، فإنهما يلحقان المقدار لا لأنه مقدار بل لوصف أعم منه كوجوده أو كعدم وجوده . وكذا الطبيب لا ينظر في أن الجرح مستدير أم غير مستدير لأن الاستدارة لا تلحق الجسم من حيث هو جريح ، بل لأمر أعم منه كما مر . وإذا قال الطبيب : هذه الجراحة مستديرة والدوائر أوسع الأشكال فيكون بطيء البرء ، لم يكن ما ذكره من علمه . [ أقسام موضوع العلم ] ثم اعلم أن موضوع علم يجوز أن يكون موضوع علم آخر ، وأن يكون أخص منه أو أعم ، وأن يكون مباينا عنه ، لكن يندرجان تحت أمر ثالث ، وأن يكون مباينا له غير مندرجين