صديق الحسيني القنوجي البخاري
295
أبجد العلوم
وما أحسن ما قال ابن خلدون : « التحقيق قليل ، وطرف التنقيح في الغالب كليل ، والغلط والوهم نسيب للناس وخليل . والتقليد عريق في الآدميين وسليل ، والتطفل على الفنون عريض وطويل ، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل ، والحق لا يقاوم سلطانه ، والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه ، والناقل إنما هو يملي وينقل ، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل ، والعلم يجلو لها صفحات الصواب ويصقل » انتهى . وبالجملة فالمحققون بين أهل الملل والنحل قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل ولا حركات العوامل ، والناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون واتباعهم فيما يقولون ، بيد أنه لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد وبليد الطبع والعقل ، أو متبلد ينسج على ذلك المنوال ويحتذي منه بالمثال ، فيجلب صورا قد تجردت عن موادها ، وصفاحا انتضيت من أغمادها ، ومعارف يستنكر للجهل طارفها وتلادها ، وإنما هي آراء لم تعلم أصولها ، ومقالات لم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها ، يكررون في دراستهم المجتهدات المتداولة منذ زمان بأعيانها تقليدا لمن عني من الأحبار والرهبان بشأنها ، ويغفلون أمر الكتاب والسنة الناشئة في ديوانها ، بما أعوز عليهم من ترجمانها ، فتستعجم صحفهم في بيانها ، وألسنتهم عن تبيانها ، ثم إذا تعرضوا يوما لذكر السنن نسقوا أخبارها نسقا غير محافظين على نقلها وهما أو صديقا ، لا يتعرضون لبدايتها ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها ، ولا علة الوقوف عند غايتها ، فيبقى المتبع للحديث متطلعا بعد إلى أحوال صحتها وضعفها ومراتبها ، مفتشا عن أسباب تمسكها واعتزالها ، أو تزاحمها وتعاقبها ، باحثا عن المقنع في تبيانها أو تناسبها ، ولذلك تراني لما طالعت كتب القوم ، وسبرت غور الأمس ونجد اليوم ، نبهت عين القريحة من سنة الغفلة والنوم ، وسمت التأليف غالبا في الكتاب والسنة وما يليهما من نفسي وأنا المفلس أحسن السوم ، فأنشأت في تدوين ذلك كتبا ورسائل ، وجمعت لتيسير هذه الصعاب والاطلاع على تلك الهضاب أسفارا ومسائل ، فهذبت مناحيها تهذيبا ، وقربتها للأفهام تقريبا ، وأتيت بما يمتعك بحقائق دين الإسلام وأسبابه ، ويعرفك كيف دخل أهل العلم من أبوابه ، حتى تنزع من التقليد يدك ، وتقف على أحوال من قبلك من سلف الأمة وأئمتها ومن بعدك ، فعليك بمؤلفاتنا ومؤلفات مشايخنا في كل باب تجدها إن شاء اللّه تعالى مملوءة دينا بحتا وشرعا صرفا عند كل إياب وذهاب ، ولعلك لا تحتاج بعد إحرازها في درك الحق الحقيق بالصواب من الأحكام والمسائل إلى سفر وكتاب إن كنت ممن ينصف ولا يتعسف ، ويؤثر الحق على الخلق ولا يتوقف ، ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، وهو عن رد المعاصرين صائم ، واعلم أن إلى اللّه مصيرك فمن