صديق الحسيني القنوجي البخاري

242

أبجد العلوم

الثاني : أن للطلبة ثلاث طبقات : الأولى : من يقصد البلوغ إلى مرتبة في الطلب لعلم الشرع ومقدماته ، وترتفع همته ، فيكون عند تحصيلها إماما مرجوعا إليه ، مستفادا منه ، مأخوذا بقوله ، مدرسا ، مفتيا ، مصنفا ، قاضيا . والثانية : من تقصر همته عن هذه الغاية ، فتكون غاية مقصده ومعظم مطلبه ونهاية رغبته أن يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف ، والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه ولا يحتاج إلى غيره ، من دون أن يتصور البلوغ إلى رتبة أهل الطبقة الأولى . والثالثة : من يكون نهاية مرادهم أمرا دون أهل الطبقة الثانية ، وهو إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع ، وعدم تحريفه وتصحيفه من دون قصد منهم إلى الاستقلال . وثمّ طبقة رابعة يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض من الأغراض الدينية أو الدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع ، فكانت الطبقات أربعا . وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ، ثاقب النظر ، عزيز النفس ، شهم الطبع ، عالي الهمة ، سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون ، ولا يقنع بما دون الغاية ، ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد ، فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة . وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلبا ، وأعلى مكسبا ، وأرفع مرادا ، وأجل خطرا ، وأعظم قدرا ، وأعود نفعا ، وأتم فائدة ، وهي المطالب الدينية مع كون العلم أعلاها وأولاها بكل فضيلة وأجلها وأكملها في حصول المقصود وهو الخير الأخروي . أما الطبقة الأولى : فينبغي لمن تصور الوصول إليها أن يشرع بعلم النحو مبتدئا بالمختصرات كمنظومة الحريري « 1 » المسماة ( بالملحة ) « 2 » وشرحها ، فإذا فهم ذلك وأتقنه انتقل إلى ( كافية ابن الحاجب ) وشروحها ، و ( مغني اللبيب ) وشروحه . هذا باعتبار الديار اليمنية ، فإذا كان ناشئا في أرض يشتغلون فيها بغير هذه فعليه بما

--> ( 1 ) صاحب المقامات . وهو أبو محمد القاسم بن علي الحريري المتوفى سنة 516 ه . ( 2 ) « ملحة الإعراب » منظومة في النحو للحريري . ولها شروح كثيرة ، منها شرح الشيخ شهاب الدين الرملي