صديق الحسيني القنوجي البخاري

212

أبجد العلوم

وترصيع أجزائه ، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله ، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعرابا ، واستحدثوه فنا سموه بالزجل ، والتزموا النظم فيه على مناحيهم إلى هذا العهد ، فجاءوا فيه بالغرائب ، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة . وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان ، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس ، لكن لم يظهر حلاها ولا انسبكت معانيها واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه . وكان لعهد الملثمين وهو إمام الزجالين على الإطلاق . قال ابن سعيد : ورأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب . قال : وسمعت أبا الحسن بن جحدر الإشبيلي إمام الزجالين في عصرنا يقول : ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن مثل ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة . وكان ابن قزمان مع أنه قرطبي الدار كثيرا ما يتردد إلى إشبيلية ويبيت بنهرها . وكان في عصرهم بشرق الأندلس محلف الأسود ، وله محاسن من الزجل . وجاءت بعدهم حلبة كان سابقها مدغيس وقعت له العجائب في هذه الطريقة . وظهر بعد هؤلاء بإشبيلية ابن جحدر الذي فضل على الزّجّالين في فتح ميورقة بالزجل . قال ابن سعيد : « لقيته ولقيت تلميذه المعمع صاحب الزجل المشهور » . ثم جاء من بعدهم أبو الحسن سهل بن مالك إمام الأدب . ثم من بعدهم لهذه العصور صاحبنا الوزير أبو عبد اللّه بن الخطيب إمام النظم والنثر في الملة الإسلامية من غير مدافع . وكان لعصره بالأندلس محمد بن عبد العظيم من أهل وادي آش ، وكان إماما في هذه الطريقة . وهذه الطريقة الزجلية لهذا العهد هي فن العامة بالأندلس من الشعر وفيها نظمهم ، حتى أنهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر ، لكن بلغتهم العامية ويسمونه الشعر الزجلي . وكان من المجيدين لهذه الطريقة الأديب أبو عبد اللّه الآلوسي . ثم استحدث أهل الأمصار بالمغرب فنا آخر من الشعر في أعاريض مزدوجة كالموشح ، نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضا وسموه عروض البلد . وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس نزل بفاس يعرف بابن عمير ، فنظم قطعة على طريقة الموشّح ولم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب ، فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ، ونظموا على طريقته ، وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم ، وكثر سماعه بينهم ، واستفحل فيه كثير منهم ، ونوّعوه أصنافا إلى المزدوج ، والكاري ، والملعبة ، والغزل . واختلفت أسماؤها باختلاف ازدواجها وملاحظاتهم فيها . وكان منهم الشيخ علي بن المؤذن سلمان ، وبزرهون من ضواحي مكناسة رجل يعرف بالكفيف أبدع في مذاهب هذا الفن وأتى فيه بكل غريبة من الإبداع .