صديق الحسيني القنوجي البخاري
207
أبجد العلوم
العبد ، ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاوراتهم . والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة . والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثليهما ، لكونها ولجت في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسهم ، فنهضت طباعهم ، وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها ؛ فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة وأصفى رونقا من أولئك ، وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة . وتأمل ذلك يشهد لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والتبصر بالبلاغة . ولقد سألت يوما شيخنا الشريف أبا القاسم قاضي غرناطة لعهدنا - وكان شيخ هذه الصناعة ، أخذ بسبتة عن جماعة من مشيختها من تلاميذ الشلوبين ، واستبحر في علم اللسان وجاء من وراء الغاية فيه - فسألته يوما : ما بال العرب الإسلاميين أعلى طبقة في البلاغة من الجاهليين ، ولم يكن يستنكر ذلك بذوقه ؟ فسكت طويلا ثم قال لي : « واللّه ما أدري » ! فقلت : أعرض عليك شيئا ظهر لي في ذلك ، ولعله السبب فيه . وذكرت له هذا الذي كتبت ، فسكت معجبا ، ثم قال لي : « يا فقيه ، هذا كلام من حقه أن يكتب بالذهب » وكان من بعدها يؤثر محلي ، ويصيخ في مجالس التعليم إلى قولي ، ويشهد لي بالنباهة في العلوم . واللّه خلق الإنسان وعلمه البيان » « 1 » . * * * مطلب في ترفع أهل المراتب عن انتحال الشعر « 2 » اعلم أن الشعر كان ديوانا للعرب ، فيه علومهم وأخبارهم وحكمهم . وكان رؤساء العرب متنافسين « 3 » فيه ، وكانوا يقفون بسوق عكاظ لإنشاده وعرض كلّ واحد منهم ديباجته على فحول الشأن وأهل البصر لتمييز حوله « 4 » ، حتى انتهوا إلى المناغاة « 5 » في تعليق أشعارهم
--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 671 ) . ( 2 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 674 ، 675 ) . ( 3 ) كانت بالأصل « منافسين » وما أثبتناه من مقدمة ابن خلدون . ( 4 ) كذا في الأصل ، وفي ابن خلدون : « حوكه » . ( 5 ) في المعجم الوسيط ( ص 937 ) : « يقال : هذا الجبل يناغي ذاك : يدانيه كأنه يحادثه » .