صديق الحسيني القنوجي البخاري
197
أبجد العلوم
اللغات . إلا أنا الآن إنما نتكلم في الشعر الذي للعرب . فإن أمكن أن تجد فيه أهل الألسن الأخرى مقصودهم من كلامهم ، وإلا فلكل لسان أحكام في البلاغة تخصه . وهو في لسان العرب غريب النزعة عزيز المنحى ؛ إذ هو كلام مفصل قطعا قطعا متساوية في الوزن ، متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة . وتسمى كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتا ؛ ويسمى الحرف الأخير الذي تتفق فيه رويا وقافية ؛ ويسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة . وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه ، حتى كأنه كلام وحده مستقل عما قبله وما بعده . وإذا أفرد كان تاما في بابه في مدح أو تشبيب أو رثاء ، فيحرص الشاعر على إعطاء ذلك في البيت ما يستقل في إفادته ، ثم يستأنف في البيت الآخر كلاما آخر كذلك ، ويستطرد للخروج من فن إلى فن ومن مقصود إلى مقصود بأن يوطئ المقصود الأول ومعانيه إلى أن تناسب المقصود الثاني ، ويبعد الكلام عن التنافر . كما يستطرد من التشبيب إلى المدح ، ومن وصف البيداء والطلول إلى وصف الركاب أو الخيل أو الطيف ، ومن وصف الممدوح إلى وصف قومه وعساكره ، ومن التفجع والعزاء في الرثاء إلى التأثر ، وأمثال ذلك . ويراعي فيه اتفاق القصيدة كلها في الوزن الواحد حذرا من أن يتساهل الطبع في الخروج من وزن إلى وزن يقاربه ، فقد يخفى ذلك من أجل المقاربة على كثير من الناس . ولهذه الموازين شروط وأحكام تضمنها علم العروض . وليس كل وزن يتفق في الطبع استعملته العرب في هذا الفن ، وإنما هي أوزان مخصوصة تسميها أهل تلك الصناعة البحور ؛ وقد حصروها في خمسة عشر بحرا ، بمعنى أنهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية نظما . واعلم أن فنّ الشعر من بين الكلام كان شريفا عند العرب ، ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وشاهد صوابهم وخطئهم ، وأصلا يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم . وكانت ملكته مستحكمة فيهم ، شأن الملكات كلها . والملكات اللسانية كلها إنما تكتسب بالصناعة والارتياض في كلامهم حتى يحصل شبه في تلك الملكة . والشعر من بين فنون الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين لاستقلال كل بيت منه بأنه كلام تام في مقصوده ، ويصلح أن ينفرد دون ما سواه . فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة ، حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب ، ويبرزه مستقلا بنفسه . ثم يأتي ببيت آخر كذلك ، ثم ببيت ، ويستكمل الفنون الوافية بمقصوده . ثم يناسب بين البيوت في موالاة