صديق الحسيني القنوجي البخاري

195

أبجد العلوم

ولهذا سميت « السبع المثاني » وانظر هذا مع ما قاله المفسرون في تعليل تسميتها بالمثاني يشهد لك الحق برجحان ما قلناه . واعلم أن لكل واحد من هذه الفنون أساليب تختص به عند أهله لا تصلح للفن الآخر ولا تستعمل فيه ، مثل النسيب المختص بالشعر ، والحمد والدعاء المختص بالخطب ، والدعاء المختص بالمخاطبات ، وأمثال ذلك . وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية ، وتقديم النسيب بين يدي الأغراض ، وصار هذا المنثور إذا تأملته من باب الشعر وفنه ولم يفترقا إلا في الوزن . واستمر المتأخرون من الكتاب على هذه الطريقة ، واستعملوها في المخاطبات السلطانية ، وقصروا الاستعمال في المنثور كله على هذا الفن الذي ارتضوه ، وخلطوا الأساليب فيه ، وهجروا المرسل وتناسوه ، وخصوصا أهل المشرق ، وصارت المخاطبات السلطانية لهذا العهد عند الكتاب الغفّل جارية على هذا الأسلوب الذي أشرنا إليه ، وهو غير صواب من جهة البلاغة ، لما يلاحظ في تطبيق الكلام على مقتضى الحال من أحوال المخاطب والمخاطب . وهذا الفن المنثور المقفى أدخل المتأخرون فيه أساليب الشعر . فوجب أن تنزه المخاطبات السلطانية عنه ، إذ أساليب الشعر تناسبها اللوذعية ، وخلط الجد بالهزل ، والإطناب في الأوصاف ، وضرب الأمثال ، وكثرة التشبيهات والاستعارات ، حيث لا تدعو ضرورة إلى ذلك في الخطاب . والتزام التقفية أيضا من اللوذعية والتزيين ، وجلال الملك والسلطان ، وخطاب الجمهور عن الملوك بالترغيب والترهيب ينافي ذلك ويباينه . والمحمود في المخاطبات السلطانية الترسل ، وهو إطلاق الكلام وإرساله من غير تسجيع إلا في الأقل النادر ، وحيث ترسله الملكة إرسالا من غير تكلف له ، ثم إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال ؛ فإن المقامات مختلفة ، ولكل مقام أسلوب يخصه من إطناب أو إيجاز أو حذف أو إثبات أو تصريح أو إشارة أو كناية أو استعارة . وأما إجراء المخاطبات السلطانية على هذا النحو الذي هو على أساليب الشعر فمذموم . وما حمل عليه أهل العصر إلا استيلاء العجمة على ألسنتهم ، وقصورهم لذلك عن إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال . فعجزوا عن الكلام المرسل لبعد أمده في البلاغة وانفساح خطوبه . وولعوا بهذا المسجع ، يلفقون به ما نقصهم من تطبيق الكلام على المقصود ومقتضى الحال فيه ، ويجبرونه بذلك القدر من التزيين بالأسجاع والألقاب البديعية ، ويغفلون عما سوى ذلك . وأكثر من أخذ بهذا الفن وبالغ فيه في سائر أنحاء كلامهم كتّاب المشرق وشعراؤه لهذا العهد ، حتى أنهم ليخلّون بالإعراب في الكلمات والتصريف إذا دخلت لهم في تجنيس أو مطابقة لا يجتمعان معها ،