صديق الحسيني القنوجي البخاري
185
أبجد العلوم
في النطق بها ، وأنها الخاصية التي يتميز بها العربي من الهجين والحضري . فتفهم ذلك واللّه الهادي المبين » « 1 » يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . * * * مطلب في أن لغة أهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها مخالفة للغة مضر « 2 » « اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة ولا بلغة أهل الجيل ، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا ، وهي عن لغة مضر أبعد . فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعدّ عند صناعة أهل النحو لحنا ، وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم . فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب وكذا أهل الأندلس معهما ، وكل منهم متوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه ، وهذا معنى اللسان واللغة . وفقدان الإعراب ليس بضائر لهم كما قلناه في لغة العرب لهذا العهد . وأما أنها أبعد عن اللسان الأول من لغة هذا الجيل ، فلأن البعد عن اللسان إنما هو بمخالطة العجمة ، فمن خالط العجم أكثر كانت لغته عن ذلك اللسان الأصلي أبعد ، لأن الملكة إنما تحصل بالتعليم كما قلناه ، وهذه ملكة ممتزجة من الملكة الأولى التي كانت للعرب ومن الملكة الثانية التي للعجم ، فعلى مقدار ما يسمعونه من العجمة ويربون عليه يبعدون عن الملكة الأولى . واعتبر ذلك في أمصار إفريقية والمغرب والأندلس والمشرق ، أما إفريقية والمغرب فخالطت العرب فيها البرابرة من العجم بوفور عمرانها بهم ، ولم يكد يخلو عنهم مصر ولا جيل ، فغلبت العجمة فيها على اللسان العربي الذي كان لهم ، وصارت لغة أخرى ممتزجة . والعجمة فيها أغلب لما ذكرناه ، فهي عن اللسان الأول أبعد . وكذا المشرق لما غلب العرب على أممه من فارس والترك فخالطوهم ، وتداولت بينهم لغاتهم في الأكرة والفلاحين والسبي الذين اتخذوهم خولا ودايات وأظآرا ومراضع ، ففسدت لغتهم بفساد الملكة حتى انقلبت لغة أخرى . وكذا أهل الأندلس مع عجم الجلالقة والإفرنجة ، وصار أهل الأمصار كلهم من هذه الأقاليم أهل لغة أخرى مخصوصة بهم تخالف لغة مصر ،
--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 647 ) . ( 2 ) انظر مقدمة ابن خلدون ( ص 647 ، 648 ) .