صديق الحسيني القنوجي البخاري
179
أبجد العلوم
منهم حين قتل الإسكندر دارا وغلب على مملكة الكينية ، فاستولى على كتبهم وعلومهم ما لا يأخذه الحصر . ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - ليستأذنه في شأنها وتلقينها للمسلمين ، فكتب إليه عمر - رضي اللّه عنه - أن اطرحوها في الماء ، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا اللّه بأهدى منه ، وإن يكن ضلالا فقد كفانا اللّه ؛ فطرحوها في الماء أو في النار ، وذهب علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا . وأما الروم فكانت الدولة منهم ليونان أولا ، وكان لهذه العلوم بينهم مجال رحب ، وحملها مشاهير من رجالهم مثل أساطين الحكمة وغيرهم . واختص فيها المشّاءون منهم أصحاب الرّواق بطريقة حسنة في التعليم ، يقرءون في رواق يظلهم من الشمس والبرد - على ما زعموا - واتصل فيها سند تعليمهم - على ما يزعمون - من لدن لقمان الحكيم في تلميذه بقراط « 1 » ، ثم إلى تلميذه أفلاطون « 2 » ، ثم إلى تلميذه أرسطو « 3 » ، ثم إلى تلميذه الإسكندر الأفردوسي « 4 » وتامسطيوس وغيرهم . وكان أرسطو معلما للإسكندر ملكهم الذي غلب الفرس على ملكهم ، وانتزع الملك من أيديهم . وكان أرسخهم في هذه العلوم قدما وأبعدهم فيها صيتا ، وكان يسمى المعلم الأول ، فطار له في العالم ذكر . ولما انقرض أمر اليونان وصار الأمر للقياصرة وأخذوا بدين النصرانية ، هجروا تلك العلوم كما تقتضيه الملل والشرائع فيها ، وبقيت في صحفها ودواوينها مخلدة باقية في خزائنهم . ثم ملكوا الشام ، وكتب هذه العلوم باقية فيهم . ثم جاء اللّه بالإسلام وكان لأهله الظهور الذي لا كفاء له ، وابتزوا الروم ملكهم فيما ابتزوه للأمم . وابتدأ أمرهم بالسذاجة والغفلة من الصنائع . حتى إذا تبحبح السلطان والدولة ، وأخذوا من الحضارة بالحظ الذي لم يكن لغيرهم من الأمم ، وتفننوا في الصنائع والعلوم ، تشوقوا إلى الاطلاع على هذه العلوم الحكمية بما سمعوا من الأساقفة والأقسّة المعاهدين بعض ذكر منها ، وبما تسمو إليه
--> ( 1 ) انظر ترجمته في فهرست النديم ( ص 455 ) طبعة دار الكتب العلمية . ( 2 ) انظر ترجمته في فهرست النديم ( ص 401 ) . ( 3 ) انظر ترجمته في فهرست النديم ( ص 402 ) . ( 4 ) الإسكندر الأفرودسي ليس من تلاميذ أرسطو ، فقد ولد بعده بنحو ستة قرون . انظر الفهرست ( ص 411 ) . أما ثامسطيوس المذكور بعده فهو أحد شراح أرسطو وليس من تلاميذه .