صديق الحسيني القنوجي البخاري
174
أبجد العلوم
مناظرة أهل الطريقين اعلم أن السالكين اختلفوا في تفضيل الطريقين . قال أرباب النظر : الأفضل : طريق النظر ، لأن طريق التصفية صعب والواصل قليل ، على أنه قد يفسد المزاج ويختلط العقل في أثناء المجاهدة . وقال أهل التصفية : العلوم الحاصلة بالنظر لا تصفو عن شوب الوهم ومخالطة الخيال غالبا ، ولهذا كثيرا ما يقيسون الغائب على الشاهد فيضلون ، وأيضا لا يتخلصون في المناظرة عن اتباع الهوى . بخلاف التصوف فإنه تصفية للروح وتطهير للقلب عن الوهم والخيال ، فلا يبقى إلا الانتظار للفيض من العلوم الإلهية . وأما صعوبة المسلك وبعده فلا يقدح في صحة العلم مع أنه يسير على من يسره اللّه سبحانه وتعالى عليه . وأما اختلال المزاج ، فإن وقع فيقبل العلاج ، ومثلوا بطائفتين تنازعتا في المباهاة والافتخار بصنعة النقش والتصوير ، حتى أدى الافتخار إلى الاختبار ، فعين لكل منهما جدار بينهما حجاب ، فتكلف أحدهما في صنعته واشتغل الآخر بالتصقيل ، فلما ارتفع الحجاب ظهر تلألؤ الجدار مع جميع نقوش المقابل ، وقالوا : هذه أمثال العلوم النظرية والكشفية ، فالأول يحصل من طريق الحواس بالكد والعناء ، والثاني يحصل من اللوح المحفوظ والملأ الأعلى . واعترض عليهم بأنا لا نسلم مطلق الحصول ، لأن كل علم مسائله كثيرة ، وحصولها عبارة عن الملكة الراسخة فيه ، وهي لا تتم إلا بالتعلم والتدرب كما سبق . ولعل المكاشف لا يدعي حصول العلوم النظرية بطريق الكشف لأنه لا يصدق إلا أن يقول بحصول الغاية والغرض منها . * * * المحاكمة بين الفريقين وقد يقال : إنه قد سبق أن العلوم مع كثرتها منحصرة فيما يتعلق بالأعيان ، وهو العلوم الحقيقية ، وتسمى حكمية إن جرى الباحث على مقتضى عقله ، وشرعية إن بحث على قانون الإسلام ، وفيما يتعلق بالأذهان والعبارة ، وهي العلوم الآلية المعنوية كالمنطق ونحوه ، وفيما يتعلق بالعبارة والكتابة ، وهي العلوم الآلية اللفظية أو الخطية ، وتسمى بالعربية . ثم إن ما عدا الأول من الأقسام الأربعة لا سبيل إلى تحصيلها إلا الكسب بالنظر . أما الأول فقد يحصل بالتصفية أيضا .