صديق الحسيني القنوجي البخاري
170
أبجد العلوم
وعليه أن يشتغل بمصالح نفسه لا بقهر عدوه ، قيل : من أراد أن يرغم أنف عدوه فليحصل العلم ؛ وأن لا يترفه في المطعم والملبس ، وأن لا يتجمل في الأثاث والمسكن بل يؤثر الاقتصاد في جميع الأمور ، ويتشبه بالسلف الصالح . وكلما ازداد إلى جانب القلة ميله ازداد قربه من اللّه سبحانه وتعالى ، لأن التزين بالمباح وإن لم يكن حراما لكن الخوض فيه يوجب الأنس به حتى يشق تركه ، فالحزم اجتناب ذلك ، لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها البتة مع أنها مزرعة الآخرة ، ففيها الخير النافع والسم النافع ، ففي تمييز الأول من الثاني أحوال منها معرفة رتبة المال ، فنعم المال الصالح منه للصالح إذا جعله خادما لا مخدوما ، وهو مطلوب لتقوية البدن بالمطاعم والملابس ، والتقوية لكسب العلوم والمعارف التي هي المقصد الأقصى . ومنها مراعاة جهة الدخل ، فمن قدر على كسب الحلال الطيب فليترك المشتبه ، وإن لم يقدر يأخذ منه قدر الحاجة ، وإن قدر عليه لكن بالتعب واستغراق الوقت فعلى العامل العامي أن يختار التعب . وإن كان من الأهل فإن كان ما فاته من العلم والحال أكثر من الثواب الحاصل في طلب الحلال ، فله أن يختار الحلال الغير الطيب كمن غص بلقمة يسيغها بالخمر ، لكن يخفيه من الجاهل مهما أمكن كيلا يحرك سلسلة الضلال . ومنها المقدار المأخوذ منه وهو قدر الحاجة في المسكن والمطعم والملبس والمنكح ، إن جاوز من الأدنى لا يجوز التجاوز عن الوسط . ومنها الخرج والإنفاق ، فالمحمود منه الصدقة والإنفاق على العيال . وقد اختلف في أن الأخذ والإنفاق على الوجه المشروع أولى أم تركه رأسا مع الاتفاق . على أن الإقبال على الدنيا بالكلية مذموم ، فالمقبلون على الآخرة والصارفون للدنيا في محله فهم الأفضلون من التارك بالكلية ومنهم عامة الأنبياء عليهم السلام . ومنها أن تكون نيته صالحة في الأخذ والإنفاق فينوي بالأخذ أن يستعين به على العبادة ويأكل ليتقوى به على العبادة . * * * المنظر الحادي عشر في التعلم وفيه فوائد أيضا : فائدة [ أولى : ] اعلم أن تكميل النفوس البشرية في قواها النظرية والعملية إنما يتم بالعلم بحقائق الأشياء وما هو إليه كالوسيلة ، وبه يكون القصد إلى الفضائل والاجتناب عن الرذائل ، إذ كان هو الوسيلة إلى السعادة الأبدية . ولا شيء أشنع وأقبح من الإنسان مع ما