صديق الحسيني القنوجي البخاري

160

أبجد العلوم

الفقهي . فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن . ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنظر . ولا تصير بالجملة إلى مطابقة ، وإنما يتفرع ما في الخارج عما في الذهن من ذلك ، كالأحكام الشرعية فإنها فروع عما في المحفوظ من أدلة الكتاب والسنة ، فتطلب مطابقة ما في الخارج لها ، عكس الأنظار في العلوم العقلية التي تطلب في صحتها مطابقتها لما في الخارج . فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها ، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها ، فإنها خفية . ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال ، وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها . ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر ، إذ كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور ، فتكون العلماء ، لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض ، إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم . ويلحق بهم أهل الذكاء والكيس من أهل العمران ، لأنهم ينزعون بثقوب أذهانهم إلى مثل شأن الفقهاء من الغوص على المعاني والقياس والمحاكاة ، فيقعون في الغلط . والعامي السليم الطبع المتوسط الكيس لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده إياه يقتصر لكل مادة على حكمها ، وفي كل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به ، ولا يعدي الحكم بقياس ولا تعميم ، ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة ، ولا يجاوزها في ذهنه كالسابح لا يفارق البر عند الموج قال الشاعر : فلا توغلنّ إذا ما سبحت * فإنّ السلامة في السّاحل فيكون مأمونا من النظر في سياسته ، مستقيم النظر في معاملة أبناء جنسه ، فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره باستقامة نظره . وفوق كل ذي علم عليم . ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس ، فإنها تنظر في المعقولات الثواني . ولعل المواد فيها ما يمانع تلك الأحكام وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني . وأما النظر في المعقولات الأول وهي التي تجريدها قريب فليس كذلك لأنها خيالية ، وصور المحسوسات حافظة مؤذنة بتصديق انطباقه . واللّه سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق » « 1 » . * * *

--> ( 1 ) آخر ما نقله عن ابن خلدون ( ص 628 ) .