صديق الحسيني القنوجي البخاري
16
أبجد العلوم
في جمع المقسوم . فإنه قد يرفع الرأس إلى معرفة العلم بدءا وغاية ، وينحو إلى استعلام أمر الأول والنهاية . وكل الخلق وجلهم مغمورون في اللذات العاجلة الخاطئة الكاذبة الفانية ، ويؤثرونها ولو كان بهم خصاصة على النعم الآجلة الدائمة الباقية . إلا من عصمه اللّه تعالى . فكأن الناس كلهم قد صاروا أجناسا بلا فصول ، أو إناثا بلا فحول . مع أن الإنسان إنما تميز عن الحيوان بالنطق والعلم والعرفان ، ولو لم يكن العلم في البشر لكان هو وجميع الحيوانات سواسية في كل شان . فإنا للّه على ذهاب العلم وأهليه وفشو الجهل وعلو ذويه . وبالجملة فهذا المؤلف الذي جمع أحوال العلوم وتراجمها في كنّ واحد ، وأوعى أشتات الفنون في وعاء صامد . قد تجلى نوره في آخر الزمان من عمر الدنيا حين ولي شبابها ، ولم يبق من بحار حياتها إلا سرابها ، وتوالت فيها الآفات والفتن ، وعمت بأهلها البلوى والمحن . ولذلك كان أثرا بعد عين ، أو حديثا من خفّي حنين . ومع ذلك قد جاء بحمد اللّه تعالى في بابه بديع المثال ، منيع المنال ، مبدئ العجب العجاب . إذا سئل أعطى وإذا دعي أجاب ، كأنه سماء علوم شرفت كواكبها عجائبها ، وأرض فنون أمطرت بالغرائب سحائبها ، شامة في وجنات النكات ، تميمة في أجياد الفحول الأثبات ، جنة أشجارها مورقة ، حديقة أزهارها مونقة ، أكلها دائم وظلها قائم . نعيمها مقيم ، ومزاجها من تسنيم ، سفينة نجاة يعبر بها الأبرار بحارا بعيدة الأغوار ، وفلك مشحون يسبح العابرون في قاموسه المحيط التيار . وحسبك به مطية يصل بها الراكب إلى رياض الجنان ، ويشرب هنالك الشارب من حياض العرفان . جمعته لتفنن خواطر الولدين الكريمين السعيدين ، وتمرّن ضمائر الابنين الشريفين الحميدين : السيد نور الحسن الطيب ، والسيد علي حسن الطاهر ، بارك اللّه لهم وفيهم وعليهم في الدنيا والدين ، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين ، وسلك بهم مسلك السلف الصالحين خصوصا ، ولمن عداهم من أهل العلم والفضل عموما . وسميت القسم الأول من هذا الكتاب : « الوشي المرقوم » . والقسم الآخر « السحاب المركوم » « 1 » والكتاب نفسه « أبجد العلوم » . وكان وضعه وجمعه في بلدة بهوبال المحمية في سنة تسعين ومائتين وألف الهجرية ، وطبعه وينعه في سنة خمس وتسعين ومائتين وألف القدسية ، في المطبعة المنسوبة إلى ذات المحامد السنية والمكارم العلية ، من أخجلت يجودها السحاب فصب عرقا ، وأرعدت
--> ( 1 ) وسمّى القسم الثالث : الرحيق المختوم من تراجم أئمة العلوم .